قصة قصيرة، في الدروب

أول ما نزلت كان ميدان الخليفة، قلب البقيع الصغير، الذي بدا لي جاذباً في زيارة سابقة. تلفت حولي بحثاُ عن سبب أتبعه، ربما جسد إمرأة أقص أثرها، والنساء هنا عليهن احتشام بلا احتدام، أو قل ما يكفي لتنشيط الأمور في فضاء مزارات آل البيت. صنقعت أشرب، متمنياً أن لبائع العرقسوس ذراعاً ثالثة، أتكئ عليها، من شدة الظمأ والقيظ، وفجأة رأيته وسط رهط من الناس، أُفسح لهم من الطريق على ضيقه، وغشت المحال والمقاهي، بسببهم، لحظة توقير بالغة القصر أو شيء كهذا، وقبل أن يعدّي من أمامي الرجل الذي صادته من بين الناس ذاكرة النظائر والأشباه، جذبته من يده وصحت: عبيد، ما الذي أتى بك هنا؟ توقف وهو يلهث ونظر إليّ طويلاً قبل أن يقول: ما الذي اتى بك انت؟ أفلت يده مني فظننت أنه يريد سلام الأحضان، وخاب ظني فقد كان يتابع رهطه ويرسل لهم اشارة تنبيه، وكانوا هم، براياتهم النحيلة، قد مال بهم الطريق نحو مسجد السيدة عائشة. وربما خاف أن لا يقفوا عنده فقال لي: انتظرني في القهوة وسأعود حالاً. لاحظت أنه ينتعل حذاءاً رياضياً ويضع على رأسه عمامة قصيرة خضراء. وجلست في المقهى وفي الحال جاءوا لي بالشيشة والشاي الكشرى اللذان لم أطلبهما. كان المقهى حاراً، ورأيت أن أفضل طريقة لانتظاره هي تمنية النفس بمشاهدة خناقة. لقد حدث أن مشيت راجلاً يوماً من السيدة زينب فور سماعي بنشوب مشاجرة في السيدة عائشة، وهي مسافة بالكيلومترات وقد قال لي جرسون تلك القهوة حينها، إن الخناقة التي أنت ذاهب لمتابعتها قد بدأت منذ ساعتين، ولن يفوتك شيء، لا يتوقع أن تنتهي إلاّ يإنتهاء النهار. وكان يسوط الشاي أبو تفل بعصبية، محدثاُ صليلاً يرّقم كلماته وهو يقول: "على أقل من مهلك يا زول، الجدع دا لازم يقلبها عاليها واطيها." وهذه الخناقات ممتعة، وتحتاج وقتاً يقضيه أقارب أطراف الخناقة، القادمين للمؤازرة من نواحي بعيدة، في جحيم المواصلات، لكن ما إن يصلوا حتى يشعلوا الخناقة كما بدأت في أصلها. أجلت بصرى في الميدان الصغير ولمحت صاحبي الذي حييته بإسم عبيد، قادماً نحوي بين مؤخرتين عجائبيتين لشابتين تسعيان على درب آل البيت. تأملته في لباسه الافرنجي وخشيت أنني لا أعرفه. قلت لنفسي وأنا أرشف من الشاي، إن كنا نعرف بعض سيعرفني هو، أما أنا فلا أذكره، كل ما في الأمر أن بعض الملامح ترمي المرء في هوى التذكر والشوق لأم درمان وللأهل وقد لا يكون هو من أولاد أم درمان. وعلى ذكر الأهل، طرأ عليّ عبد الحي أخي الذي غيّر عنوان سكنه أكثر من مرة، كما حكى لي الناس، ولم أعثر عليه منذ قدومي بحثاً عنه. حيّاني عبيد مرة أخرى ولكن بحرارة، كأنه يعرفني. ولم يسألني كعادة الناس، الأخ من أين؟ لكنني سألته عما فعل تحديداً منذ توقيفي له فقال إنهم في طقس إسمه زيارة أهل البيت. وعندما لم يعنِ لي ذلك شيئاً أضاف وهو يلتفت مفرداً ذراعه: هذا اسمه طريق آل البيت ونبدأه من السيدة نفيسة لغاية السيدة زينب. قلت له، لكن أنتم قادمون من السيدة زينب! قال بصبر: نعم، كما يقولون من السيدة زينب وبالعكس! ثم أضاف وهو مندهش من سرعة الجارسون في إنزال كوبي الماء والشاي: حدث أن مشيت قبل اليوم على الأقدام من السيدة زينب لغاية سيدي المرسي أبو العباس. وبدا أنها مسافة هائلة، لكنني لم أسأله عن مقدارها. وفي وهلة خاطفة اخترقتِ القهوة، من باب لباب، فتاة جميلة ولكنها متبذلة فأشحت عنها، لكن عبيد شملها بنظرة فاحصة وكذلك غائمة أو معتمة وربما كل ذلك ثم قال لي: تشرفنا، أنا شمس الدين، طالب جامعي. قلت له: مرحباً شمس الدين، عفواً فقد ربطت هيئتك بشخص إسمه عبيد، ثم واصلت رغم أن عيونه كذبت كلامي، "تعرف، أصلاً أنا زرت القرافة من فضول وبعد ذلك اكتشفت عوالم زيارة الأولياء…" فصححني، آل البيت، وأحسست بحدة في نبرته أو هكذا تصورت ما ينوبني منه فيما لو كان معترضاً على وجهة نظرى بأن الدين جاء كرسالة فردية، لشخص وليس لأسرة أو آل، وفي ذلك اليوم كان مزاجي جيداً ومتقبلاً للأفكار، فشربنا أنا وشمس مزيداُ من الشاي وأبعدني شيء ما في شخصه عن المحاجة في شأن زيارة الأو….آل البيت. كانت ميزة المقهى، الذي ازداد عدد رواده وعلا ضجيجهم، أنه يفتح على ثلاثة شوارع جيدة الطرق لمن يريد أن يمارس مراقبة البشر، وهنا أيضاً رأيت أن صاحبي بارع في قراءة الأفكار، فقد عدل كرسيه على نحو شغوف ومفاجئ تزامن مع تراوح طيف امرأة بفستان بمبي، عند بوابة أحد البيوت، في الشارع الملتوي الذي يأخذ السائر فيه إلى ميدان القلعة، عجبت كيف يستشرف هذا الرجل حتى المفاتن البعيدة. وكان يحجب عنا رؤية المرأة من حين لآخر، دخان متصاعد من مبخر يحمله درويش يمشي في الطريق جزلاً ومتأرجحاً. أعجبتني رؤية البمبي خلال مزيج شبه رائق من البخور والغبار، وفجأة همس لي شمس: أموت في البمبي أنا! ندت عني عبارة يا زول، تخرج كما الشهادة القيمة من بيتها الاسطواني الشكل. ثم ضحكت. واستوى هو واقفاً ومنهياً ضحكتي، يعدل رباط حذائه، فقلت له، يبدو أنك إنسان متعلم، فمعذرة لسؤالي! جذب حافظة نقود أنيقة ومد لي ورقة نقدية، فصددتها برفق وأنا أقول لا وهو يقول ما سؤالك؟ أقول لا ويقول ما سؤالك؟ والايادي تراوح، فقلت له: كيف لي أن أصدق أنك تسعى في دروب الأولياء... قاطعني، آل البيت! قلت: نعم، في تقديري هذا تعبير عال عن التدين…. إلتفت وقاطعني بدهشة، تدين؟ ثم همس وهو يكرف ببصره الشارع البمبي: أبعد ما أكون! وبدأ ركضه بخطوات هزلية وهو يصيح: أراك يوماً ما في نفس الميقات!

Comments

Popular posts from this blog

سؤال الضهبان

أبو القدح

نصوص قصيرة، أيمن هاشم