نصوص قصيرة، أيمن هاشم

نصوص قصيرة

أيمن هاشم


كانت السيدة العظمى قد إنتصرت لتوها علي ألمانيا، في المنطقة الغربية-راجا تحديداً، تجمعت الحشود، ذبحت الثئران، وزعت البيرة، كان موكب النصر يتقدمه جنود الشرطة، أمسكوا بالبنادق بقوة، تحت سواعدهم، دكّوا الأرض من تحتهم، في ميدان العرض حيث يجب أن يؤدى شكر المملكة التي لا تغيب الشمس عنها، كانوا يرددون أغنية بعربي جوبا، كلها نداءات لفتاة من قبيلة الباندا، أداها ذلك الشرطي في المنتصف بصوت كله رجاءات- لم يكن هنالك طريقة أفضل للإحتفال بنهاية الحرب العالمية الثانية.

ضجر
في أدغال مديرية جوبا، كانت الكنيسة عبارة عن كوخ صغير، تظلله شجرة ضخمة و بابين صغيرين، بيت القش هذا سيصبح فارغاً عما قريب؛ يقول دينق، و الأولاد شوشهم ما تقوله يا حضرة الأب الجليل، إنهم يتضجرون، أنظر إليهم إنهم يترنمون بمقدس، مقدس، مقدس..من الصباح و حتى المساء، ألا يوجد" تمساح، شعر إمرأة، أو مريسة حتى".
نبؤات(1)
في فصل الشتاء يمتلئ بحر العرب برعاة الأبقار، تنشط التجارة، يأتي العرب بالأقمشة و الحكايات، يبادلونها بأنياب الفيلة و الأسئلة،عند أسفل النهر نادى رجل من الدينكا على ناظر الرزيقات إبراهيم موسى و سأله بلكنة عربية مكسرة، عن كيف سيكون الحال بعد الإستقلال؛ أجاب بتعليق ساخر - ديل ركبونا في لوري لا نور لا بوري.
الرائي
في واحدة من تلك المرات رأي ما لم يكن يراه من قبل، بالقرب من نهر الدانوب، قبل ستة و عشرين عام، بينما يبحث في حقيبته، كانت بعض الأوراق قد سقطت على الأرض، كانت قصيدة رسوليا وردة الجسد تتفتح، أسرع أيوب مصطفي بإلتقاطها، كان يرى الأشياء بوضوح...

بالأيادى سنشتبك معهم؛
بالأيادى ذاتها نُشعل الفوانيس ونصنع الأعياد.
فى غرفنا الضيقة جدا سنؤلف سحاباً،
ونمزقه فى روؤس الجميع..
حتى تنتفض الاجساد بفعل المطر.

كان ذلك الرائي قد أطلق فراشاته لتوه.
الفتنة
على بعد كيلومترات من الحرائق، حيث لا أحد يعير العجوز الفاتنة إهتماماً، كانت تركض في شوارع الأسفلت و تصرخ:
سوف يأتون لقتلكم .
في منطقة ديم مايو، عند حواف اللسان البحري، يجلس النوبة و البني عامر في المقاهي، يمدون ألسنتهم للسيدة موت، و يقتلونها بالونسة الجانبية.

لم يكن لنا أن نموت
في العام 1986، وقف الأب فيليب أمام بيوت الخشب، أدى صلاة طويلة للمفقودين، المحروقين، في الحي الطرفي سمع الرب الكلمات القادمة من بورتسودان :
" لم يكن لنا أن نموت."
بعد ثلاثة و عشرون عام في مقابر السكة حديد حيث كانوا يدفنون الضحايا، يقول الرجل العجوز الذي يسمونهُ سلطان، لقد سمعتها بوضوح.
قيلت في بيوت الرب، بيوت الخشب، الأفواه الخائفة، قيلت في مدن بعيدة، كُتبت في الرايات البيضاء، هتفت بها كومونات المقاومة، عندما يرفع الرب صوته؛ ينصت الجميع.

الهجين
وصل ميم إلى المشفى، كانت يداه ملونتين، يده اليمنى سمراء، و يده اليسرى حنطية. و مصاب بجرح بسبب صخرة صغيرة، كانت الطبيبة تسأله عمن الذي فعل ذلك، كان يتأتي في الكلام، لم يكن يتقن سوى التقري و لغة الكواليب، أجاب بصعوبة : لن أستطيع أن أكرههم.
أخبرتني الممرضة و هي تبكي.
عند الباب كان ينتظره أبناء خالته و عمه.

أُحبك
أمام مدرسة مدني الثانوية بنات، كان ينتظرها، بقميصه الأبيض و أمام بائعات الأيسكريم، مرت الفتاة بجواره، قال إنه سمعها تقول له أحبك، ثم ركض إلى بيتهم، مفزوعاً، ترتعد أوصاله، يحاول معالجة قفل باب غرفته بسرعة.
- توقف، ماالذي صنعته بملابسك.
يخفض بصره نحو جيبه، كان اللون الأحمر يغطيه بالكامل، مجدداً تركت كيس أيسكريم في جيبك؟
- لقد كان قلبي يا أمي.

التوأم القط
أخبرتني أمي بأن أعود للداخل قبل صلاة المغرب، كانت الشمس الصفراء تتلاشى خلف البنايات الأسمنتية، مرروا لي الكرة و رميتها بعيداً، تتبعتها و كان العرق يتصبب مني، تسلقت جدار الخرابة المسورة، و عندما وضعت قدمي في الداخل شاهدت القط الرمادي، تذكرت قصص أمي عن الشياطين التي تنطلق عند المغيب، و ما بدا أمامي لوهلة قطاً كان أحد التوائم، عرفته من الجرح الذي في رأسه، كنت قد سببته له، لم أكن متعمداً، كنت أودُ الإعتذار عن ما بدر مني، قلت له : أنا أسف. و ركضت ناحية زاوية الخرابة، حاصرني القط، كان رأسه كبيراً جداً بحيث لو قضم قدمي لأكلها، قفز علي وجهي، كنت بالكاد قد أمسكت برأسه، خائفاً من أن يعضني، سقطت و كنت أنظر للأعلي لأري من سينقذني، فجأة ظهر التؤام الأخر و هو يتسلق الجدار، كان يصرخ بأن محل رأسي كان كرة القدم، تحسست وجهي لأتأكد مما يقوله، كان خدي منتفخاً و دائري مصمت، كنت فزعاً : كيف يلعب التؤام برأسي هكذا.

كوابيس
أنا الأن في إحدى قرى المتمة و لا شئ غير الأكواخ المحترقة، النار تمضغ الحصير ببطء نافثة دخانها الأسود الذي يظلل الأفق كسحابة عظيمة، الشمس المريضة خلف الرمال الحصوية و هي تحيك غروب جنائزي تخرج منه أزمنة ماضية، في وقت فقدت كل الجثث قدرتها على السماع و هي تعبر أزقة الموت، النيل يضمد القرى الطافية حوله كشريط جروح.
الجثث الرطبة تفك رباطها و تقف باحثة عن أذانها، بينما تنفض العذراوات ضفائرهن و هن يخرجن من النيل، بأرجل مدمية من شوك أشجار السنط، وثياب يملؤ طينها الخوف. أفقت مثلهم بأصوات الباشبوزق التي قربتها الرياح و أدركت أن المكان المقصود ليس بعيداً و حينما وصلت كان الليل قد أرخى سدوله.
كل ما أذكره هو أنني كنت أتمشى حاملاً عصا خشبية و كانت أغنامي تتراكض بين شجر الهشاب.
إنتابني الفزع قليلاً حينما إقترب مني بوجهه اللحمي الأحمر، كان يهش الذباب البقري عنه، حاولت التطلع إلى وجهه لمعرفة السمرة الحرائقية التي كست رقبته و بدا لي شبيهاً بولاد البحر- بعينين تدور بسرعة في تجويف الجمجمة، ممسكاً بغليون غير مشتعل، كان يسعل حينما فتح فمه و بدلاً من أن تخرج الحروف، رأيت ذلك الدخان و بأنفة عالية مسح شاربيه الطويلين و أدخل يده في جيب بنطلون ملأته الحرائق بالثقوب، جاراً مصارينه كحبال، لكنه عندما مشى أمامي وقعت عيني على السكين المعقوف المغروز في ظهره، إلتفت ناحيتي بنظرة غائمة تشع حزناً و تقطر عينيه ماءاً و كأنه تحت وطأة شراب – إبتعدوا عن المكان فإنني الباشا، تراجعت قليلا و عاد الصوت ليقول إبتعدوا فأنتم تسدون الطريق إلى السماء.
طفونا جميعاً لوهلة، أفقدتني القدرة على التوازن، ركضت أغنامي و شعرت بشئ يخترق ظهري و في تحليقي البسيط حدقت للأسفل أحصيت على الأرض عشرين أذن، مقطوعة و غير مشذبة و بلون أحمر مسود، شعرت بحزن الباشبوزق المترادفين بجثثهم الممتدة، و خلفي مر تيار هواء جاف و قوي لفجر لا يرى، تلمست موضع أذني عندما تحركنا جميعنا و حزنت كما الزرازير مفقؤة العيون،حتى حشرات الجُعل المتفحمة فوق فخار شراب العرق، سيوف المقاتلين، كل محتويات المكان طفت لأعلى وأخذت تطارد قافلة إتجهت جنوبا و دخلت حلم رجل، عبر فروة شعره المجعد و إستقرت ك كابوس.

الزبالعة
كنا ثلاثة حتى عبور النهر، تطاردنا قبيلة الجموعية، تعوي كلابهم خلفنا، و كانت الظلمة تطوي الخيران خلفنا، جاعلة من الشمس مجرد قطعة كبد في السماء المضرجة بالدم، و مضت تلك اللحظات الجامحة بلا ترويض، أنفاسنا المتصاعدة مثلما ضعت أول مرة.
كنت عارياً و جسدي يستعر بالحمى، في قرية الزبالعة، بالقرب من النهر، رددت عبارات إستحضارك، ألالاف المرات و إقترب مني الكلب الأسود، فوق كثيب النمل، وقفت مخدراً بسحر ما حتى خرج الزبد من فمي.
صافحت الشيخ مستنشقاً ظهر كفه، كانت رائحتكِ تملأ أنفي، قال لي: إذا السعية إنطلقت و المراح إنفك و المرافعين فتكت أقرأ الفاتحة. فكرت و قتها كيف: يمكن لذكرياتنا القديمة البحث عن أشخاص جدد، لتبدأ من جديد.
ثلاثة ألف فارس تصدينا لهم في وادي الكوت، كانت حرابنا هي الأسبق، و سيوفنا هي الأبتر، و طلاسمنا هي الأقوى، حملنا رأس ( قرن العلج ) و جبنا بها قرى البدو من الحاج عبدالله و حتى الشكابة. كما تصدى أبونا بجريد النخل ممزقاً عبيد ملك سنار.
عندما رأيتكِ أول مرة في قرية الرواشدة، عقدت خيط الحرير و نفثت فيه بهاروت و ماروت و بقدرة إمرأة العزيز، أذكر أنكِ أمضيتي أسبوعاً كاملاً تتقلبين في لهفة، كنتِ في بيت القش تحت عريشة السعف الرطبة، و كانت أهازيج الذكر تحملها الرياح، يدك باردة و السم يفور في داخلي، أدركت في تلك اللحظة أنني لن أعرف الراحة، تنشقت بعنف رائحة الكركار، وكان دخان الحرائق في جسدك يملأ رئتي، بينما جسدك الفضي يتلوى، فكرت وقتها أنه يجب حرق عقدة الحرير.
نحن الأن إثنين، و هنت قوانا و أمامنا نهر سيتيت، لقد طاردونا لأجل ما فهموه من شيوخهم، لأجل ما هو مكتوب في – أبوالرقيط، و هي الأن أمامي كالمنومة تدوس على حشائش الضريسة، تغطي بخمارها ضفيرتها المسدولة و الزاهدة في حركتها جية و ذهاباً على كتفيها المكشوفين، تشوشها رغبة في البكاء، في ترديد أهزوجتها: خايفاك يا أبكر بلاي ما لي مخافة , مجتازة كتل الطين اللامتناهية و المتشققة، جراء إنحسار المياه، بينما صارت خيوط الموج البنية المحمرة تتقطع و تتقلص عند قدميها و هي تعبر النهر، و شيئاً فشيئاً إنكشفت سرة النهر، خدعته الدائمة في الهروب من الزمن.
هذا الوصف مُطابق تماماً لما تخيلته عنها، أنت تظن أنني أخفي جثة بت الرواشدة، البدوية التي من أجلها قتلت الموت مرتين، مرة حين إخبارك بالقصة و مرة حين حرقت الحريرة الحمراء، سأسلم نفسي للجموعية لأن طلسم الطين الذي يحميني تكسرو السعية إنطلقت و المراح إنفك و المرافعين فتكت ثم أقرا عليَّ الفاتحة.

العرب
بعد المعارك الجبلية التي خاضوها ضد البلاك وتش في تاماي، الأشباح التي تمتطي النياق على حدود مدينة الشيخ برغوت. عندما ظهروا في أعلى وديان سلالاب، كانت المدينة تغط في أقمصة ضباب الفجر، يقصدون الشيخ الذي تهابه السفن، محيين مجده في البحر الأحمر.
تغطت أجسادهم بقطعتين طويلتين من القماش تحتها خناجر الشوتال، و بشعرهم الكثيف الذي يقطر ودكاً و خلف أشجار المسكيت، كانوا يتحركون بضآلة و يلفهم الهواء الحار القادم من البحر، حاملاً عفونة سبخة.
*
قبل المعارك الجبلية، كانت الأخبار القادمة من تاماي مخيفة، جيرالد جراهام و قوات النخبة يحشدون للإنتقام، و القرية التي ظلت ساهرة لمدة أيام، حتى سفوحها العلوية كانت جاحظة بسبب النعاس، يوشوشها الأفق الرمادي للجبال، عدا الغربان الجبلية التي ظلت تنعق فكل شئ قيد الموت حتى الكلاب و الإبل التي طوت رقابها هرباً من النحر.
*
جاء الفيزي ويزي الملثمين يطرقون جدراً زمانية، مالئين بصراخهم بيوت الخشب، شاقين تلك السحب التي صبغت بالأبيض سماء الأصيل، جاءوا إلى القرى المنطفئة في شكل حِمم، نبؤة قديمة بحريق.
*
بدت القرية و كأنها تنتظرهم، فقد أعدت كل شئ حسبما إتفق قائدا المعركة من الطرفين مع ملائكة الموت، الجند المدربون على الإستلقاء عند الموت، الأشجار التي خبأتهم في مواقعها، دراويش المهدي الذين يحفظون ما يقولونه عند الموت عدا الفوضوية التي إستلقوا بها عند المدافع، حتى الذين دفنوا أجسادهم كفخاخ رقدوا ثانية، كل شئ مقدر – قالها الإمام، و رد السير جيرالد جراهام و هو يضع وسام الملكة فكتوريا في أعلى صدره، كل شئ مرتب.
*
عادت الزخيرة تتدفق من جديد في الليل، بقي العساكر يستمعون صوت الرصاص بالليل، و كانت الصرخات التي تهبط على قلوبهم ثخينة، مثل الدموع. تحولت رياح السموم و عكست إتجاها، و سُمِع: " مغفرة الذنوب و بعث الجسد، آمين ". حيث كانت السماء تصلي و تدلت نجومها كمسبحة و فرشت ظلمتها الأبدية ثم حُبست الطيور و أغلقت الباب.
*
خرجت ثلاثة من الإبل و هي تعدو حيث مربع الجيش الإنجيليزي، رأى الجند ركضها المجنون و قوائمها المنحنية كما لو أنها ستنكفئ، لم يكن ثمة من يمتطيها، كانت مرتعبة من شئ خلفها، خلف الغبار الذي أثارته النياق بدت ملامح بشر بالإرتسام على التراب العالق بالجو، و شيئاً فشيئاً إتضحت معالم سيل جارف، الرصاص حرك تلك العتمة و ذابوا كظلال و مع ذلك صرخ أحدهم: إنهم ينبتون و أشار إلى أسفل قدمه حيث اليد الممسكة بسكين الشوتال تقطع عصبه أو أنه أصبح قاسياً لكثرة شربه العرق حتى غدا كالحطب.
*
ربما هو صدى محبوس في تلال تاماي أو تربة مبللة، فبعد أول صرخة يتضاعف الصوت في الكتل الصخرية، فمن أقفل الباب وقتها لم يترك للجثث الراحة و لا حتى أن تجف من الدماء، تركوهم في جوف المرافعين – المكان الوحيد الجاهز لولادتهم مرة أخرى. كأن الموت هو الإحتمالات اللانهائية للفرص، حتى الجنرال الإنجيليزي الذي وضع مسلة كتذكار لضحاياه لم ينتبه بأنه باع رعب جنوده، عندما أخرج أوراقه للقدر الذي أخبره:أنتم مدينون بالكثير.
*
عندما خرج الشياطين من التربه، كانت المدافع تدوس الأشجار المتعبة، بصراخ بالٍ مستعمل، و بخفة راقصي البيبوب أنهكوا الشجاعة التي كانت موجودة في زمن مضى، و إلا من أين تخرج هذه الأوراق الحية.
*
في كل فجر تهتز القرية كرعشة من فكر بالرجوع، و تبقى سماؤها المشخبطة بالسحب مثل جرح مفتوح بين ظلمة التلال. يخرج الفيزي ويزي كالكلمات التي تسمع في الأحلام و من بين الدروب الكثيرة التي تصله للبحر، يتخذون تلك القرى كي يمروا في أناشيد البداوييت، دون أن يجدوا ما يسدوا به رمقهم من الموت.

رقص البيبوب
في قرى تهميم، أقصى شرق السودان. تروي أغنية شعبية قديمة عن نمر أزرق. تغنيها البنات علي بعد الكيلومترات من التجمعات في الصحراء.
في مكان أخر يعلو صوت الطبول، يشكل الأولاد دائرة، الحشود تتوافد و تبدأ الهمهمة العميقة، الزفير الحار، رقص *البيبوب يشتد، يمسك كل واحد بالسيف ليعبر منتصف الدائرة قفزاً، الإيقاع يُضرم النار في الأجساد، و يأتي جني *الزأر العظيم علي هيأة رجل يرقص بالسيف ، يمده لتايقر في تلك اللحظة تحرقه قدماه، تظهر مخالب قوائمه الخلفية، يحرك زيله في غضب و عندما يقفز يتمزق *الصديري الأسود في الجو فيزأر من تجاويف حلقه، بالرغم من حلكة الليل كل شئ يتضح عندما يحط بقوائمه الأمامية الزرقاء في المنتصف، يوقف حكماء القرية الأنشودة، و يبدأون في تلاوة المديح النبوي مستنجدين بالشيخ *تاج السر الأكبر، يهدأ تايقر و يخفض الشباب سيوفهم، يخرجونه ثم مجدداً يُحرِق إيقاع البيبوب يدي شخص أخر و ينبت الريش، يسقط السيف في منتصف الدائرة و يضرب بجناحيه الأرض مفرقاً الغبار من حوله، لقد طار- أمنة غنت لذلك الطائر.

الولادة الثانية
من الحديقة المنامية لبورخيس أفلتت أنثى نمر ، أسميتها " فاء "، تتبعني منذ أيام، لاحظتها أول مرة و أنا أغسل أسناني قرب شجر الأراك، وجدت الأغنام ميتة، بطنها ممزقة في الخارج، لم أحتمل المنظر و ركضت في الشارع، دخلت الكوخ و أنا أرتعد، خِلتها تطاردني، ثم عندما باغتتني بشراسة، خلعتْ قميصي، و كان قلبي يفرفر، ثم خلعتْ جلدي، و لبسِتهُ.
أخبرت ساحر القرية بأن هناك نمر يطاردني، لمس رأسي و بدا يدخل يده في فمي، غطست يده بالكامل داخل حلقي، أحسست به ينتزع روحي، دخلت في غيبوبة و بعد ساعتين كنت قد إستيقظت، كانت القرية بأكملها تحملق فيّ، يحيطون بالكوخ و في أيديهم حِراب و رماح خشبية.
مدّ والدي ماعون حديدي كبير، به شئ أحمر داكن ممزق. باركت القابلة لوالدي الولادة الثانية:
- هذه كبدتك، هي ما تبقى منك.

أشباح غريغور سامثا
لقد حلمت بفرانز كافكا، رأيته يعتذر لغريغور سامثا، رأيت الرجلين أو لنقل الرجل ونصف الحشرة، بقشوره وعجزه عن الحركة؛ كان كافكا يحتضنه ويبكي، سمعتهما يتكلمان من بعد، سامثا يلوم خالقه عن الاستيقاظ المبكر والمزعج ذلك، عندما اقتربت من الرجل ذي المعطف الرمادي، كانت ملامح الحشرة التي يمسكها بين يديه تتضح، وما بدا لي أنه غريغور كانت لديه نفس تكشيرتي، كنا عابسين تماماً كما لو أننا الشخص نفسه، والآن أنا خائف من أستيقظ.
حملوا مشيمتك للنهر، في صحن النحاس و كانوا يغنون، من إختاروا ليندهوا إسمه في القرير، الجانب الأخضر من النهر. أنت أفضل من أولئك الحمقى الذين أكلت مشيمتهم القطط في الشفخانات، حملت قلق النهر و تذمره الدائم من الضفاف، نجوت من طائر " الحريم " و تشبثت بالتمر الذي تسرب إليك بالدم، رقصت و أنت على متن الحمار و خلفك الصبية، و عندما عدت دسوا لك الجنيه الإنجيليزي تحت مخدعك، نمت و أنت تخفى الوجع في آيرك و قد إنتشيت بالهواء الذي تسرب تحت ملبسك الخفيف.
تذكر عشاء الميتين الذي أكلته يوم ركضتَ مع الأطفال، ركضت معك زرازير الجنة، و أنت تضع الحجارة و الجريد، ماذا سمعت من داخل المقبرة، هل كان تحت القبة شيخ، و العظام التي تجدها في الليالي المقمرة حين يبحثون عن " شليل " تحت الرمال البيضاء، لمن كانت. و عندما كنت تختبئ في لعبة الإستغماية، لماذا لم يستطيعوا إيجادك.
نجوت من الجدري، و نجت قدميك الضعيفتين من شلل الأطفال و من رياح الخماسين التي تحمل الطلع، و من الغرق في جداول ري الزرع، من التسمم بعلب الصلصة المنتهية الصلاحية وقت التساب، الملاريا و عمى الرمل، نجوت من التلعثم و لم تنطق، دربت عيناك الجائعة من العشى الليلي ك- سمك الكور عند الفيضان، نجوت عند سرقة الدجاج و ثمار المانجو.
السرير الخشبي الذي حملوه، رابطين جريد النخلة، هل منحك العزاء و قد صارت دموعك كالنطرون تدعك من عينيك غباشة الدميرة، عندما توقفت كالساقية الأم و إنهارت بك الضفة الطينية هل عبرت المياه إلى الساقية البنت، أم كان الحفير الذي في قلبك أكبر من جدول " المترة "، تعرف أن المزارعين يدفنون أوجاعهم عند كل - كربان مع البذور.
ماء زمزم كان يصب في النيل، و الأرض مطوية كجريدة نخل في يدها و هي عائدة مبتلة، باردة كبداية شهر محرم، و نقية كالجرار المعبأة لتوها. يانعة كما لو كانت ثمر بلح أخضر، و هي تضع الخمار على رقبتها حرضت طيور الدباس التي إصطفت على أذنها المزينة بالعكش و صارت تردد إسمها، تحبها مثل مجئ الرهو، وصول الحضرة للدراويش، و تتخيلها بالقرمصيص ترقص في ثورة.
و عند صنم أبودوم، مثل الكثير من عازفي الطنبور، غنيت لها و أنت تحملك المراكب من غربة لغربة، بحثت عنها و قبل أن تزول الحناء من أيدي البنات، تحت نوار القمح الذهبي، في جذور نبات السِعدة، بطون الصِفيرة، في سَمر مرتادي بيوت العرق، بمشنورات العمال، من بيوت ولاد صبير و حتى جبل البركل و قبل أن تزول الحناء من أيدي البنات، عند كل تساب إنتظروك خائفين و مغنين.
قاتلت مع الملك صبير، هناك في كورتي و أبصرتها و هي تزغرد، وقعت في عشقها المميت، مت هناك و إستيقظت مع جنود جاويش و هي تطارد الأعاصير في الصحاري ثم مت ثانية في شندي و رأيته بأم عينيك التي سيأكلها الدود، رأيت الباشبوزق و هي تشتعل و فرحت، كنت ترجو الريح أن تفك ضفائر البنات المعقودة و هن يغرقن، قاتلت مع الملك رباط، و وثقت في خطابات العنج ثم قتلوك في سنار، إنتقمت من جنود هكس باشا في غابة الأكاسيا، أصبت بأعيرة نارية في يديك، و كانت رابحة الكنانية تعدو، و ذقت خدوش القطط تحت ملابسك، أكلت الفئران عند حصار الأبيض مع القبطيات الجميلات، تحملت صلف الجهادية، رموك مع أطفال الكبابيش على سكاكين البنادق، إسترقوك و نفوك من روح الإله دينق، مت في حظائر مع السنرائيب في مرتفعات سنكات و ناحت عليك البجاويات بالبداوييت، إستيقظت مع محمد المهدي و غفوت، قتلوك في السوق و كنت تبكي على ودحبوبة، فاوضتك ملائكة الموت ك - رث مقتول، قتلتك ملاريا الإستوائية و دُفنت مع عبيد حاج الأمين، نبشت قبرك و عدت إلى الخرطوم، أحييتك زغرودة العازة و كنت مع الكتيبة التي تمردت، لازمت خليل فرح في عنبر الصدرية و كنت تكح، كما في عنبر جودت حينما إختنقتم، و حينما أصاب القرشي عيار طائش كنت ترافقه تحمل دفاترك، مِن سجن إسماعيل الأزهري – سمعت النعي المخزئ لزميلك في الزنزانة: توفي الأستاذ بالمعاش، إنهارت عليك حوائط قصر الضيافة، وقفت عند حائط سلاح المشاة بشمال أمدرمان حينما ثقبت الرصاصات ضباط الشيوعين، لم تتقن الموت كنت كخط زمني من الحيوات يسير بإتجاه الحياة، حتى عندما إلتفت المشنقة حول الشيخ السبعيني، كنت مع حسن حسين في دبابته حينما إقتحم الإزاعة، و أصبت في قدمك مثله، ركضت لتحيا و نجوت من ميتات مهولة، كمن تعود على الموات، فقدت يديك و قدميك في قوانين سبتمبر و مع ذلك كنت تنمو بشكل مصفوفة من الأعداد الناجية تماثل في عوالم موازية أرقام ميتة.
عدت مع جنرال أخر يتأتئ في خطابه، بأكثر من وجه، و إستيقظت عندما غرسوا المسمار على جمجمة دكتور، نبشت قبور الضباط المجهولين، أصابك الرصاص في الميل أربعين، قتلنك في مرافيت – البنات، فتشت الطائرات كلها و سقطت بها كمن يخشى من مؤامرة، طعنوك في أزقة الجامعات بالسيخ و السكاكين، و حينما إقتربت مع سنهوري من الرصاص، مات هو و تركك، لم يعد بمقدورك تكرارها، حاولت و هزاع تركك، كتب وصيتك الشعراء و ورثك الساسة، و إقتسمها اللصوص.

المسيح الأسمر
" هنالك نمل كثير يتسرب من مؤخرة رأسي , أحس به كقطرات ماء تسيل على رقبتي و يداي مثقوبتان بالمسامير " يقول المسيح في اللوحة رأيت في الحلم الهارب من دم الخواجة، أنهار الذهب في فازوغلي يغسلها المطر و تخرج من ذروة سنام التلال العروسات. فساتين المأتم تُلبس من جديد و الخواتم تقطع الأصابع.
كانت النوبة فيما مضى تنتظر الله في قراها، بينما هو يرتحل مع البدو في خيامهم، يرتحل في سطوة الحكايات حيث يمتطون الهجين السريع لسلب المسافرين و كنا طُعم قراقير صغيرة و إصطادونا في الطريق من بولاق.
خرج من نبع الواحة من بين العشب و برزت يده مبرؤة من المسامير، مدها لنا لكي نطال الفجر و تحركت الأشكال الناعمة البراقة و لم أستطع، كنا عطاشى للسر أثمين بسرقتنا دور العبادة.
جاءت الزغاوة تبيع المواد الغذائية و تبيع القدر، جلس الرمالة و رسموا النقاط على غير عدد، الأقواس التي إنحنت أرباعاً، خرجت منها بطونها الأمهات و عندما رأيت العتبة الداخلة عرفت أنني هالك.
لذلك أكتب الأن: هنالك نمل أبيض يتسرب من حقائبنا , أحس به كقطرات ماء تسيل على رقبتي و يداي تحملان البرواز الخشبي. لازمت الخواجة كظله، أزحت العقارب عن قبعته، مسحت الدمامل من قدمه ونجوت عندما طاردتنا عساكر البوشناق المسلحة، سمعت حكاياته و هو يتلمس القلادة من جيبه:
سكنت في ويلز حيث ينحدر التل و تصعد على ظهره المدينة كأطفال صغار، راقبت الضباب يمسح الشروق و الغروب، نوقظ سكسونيا من أيديها، فنحن ساعاتية – أقاطعه و كأني أفهم، ثم يواصل كان يخبرني بالمجد و بالمائدة المنسية، التي يشقها نهر الرب، من بين الموائد التي أنزلها الرب على تلامذة المسيح. حلمنا برؤية سرة النهر، حيث يغتذي من رحم فراديس غامضة، رحنا نتلمس العمود الفقري لطريقنا بداية من دروب الواحات إلى دور النسطوريين المجهولة. منحنا مغاربة الصحراء الأموال لنعبر وديان النطرون، إفتقدنا فيها الماء العذب، و أُرهِقت أكبادنا بطعمه الأسِن.
أخبرته عندما حلت مجاعة أم لحم على قومي : لوكان الكيل بالكيل ما كان ماتوا بالحيل و كنت أراهم عند جبل البركل و أنا ساهر على موتهم، شاهد على توقف اللهاث في تلك اللحظة، تجصصها الأبدي في لوحة – عندما قايضونا أرض بأرض و دم ببقط.

أخرجتني من الجبل إمرأة ذات وجه نحيف، تماثل وجنتيها في الكبر و طول أنفها، و لم تلفظ كلمة، جرتني من ثيابي و جردتني من النظر إليها في عينيها المحاطتان بالكحل الحجري، إستلت أشعة الشمس و جعلتها ترقد على حجرها، و كان لونها أسمراً، و كنت جائعاً ألعق تماثيلاً ذهبية.
كان للعجوز ظهر محني، أرتني خط الحياة في يدها و قد مدتها ليرضع منها الأطفال، أمسكت يدها مثلهم و عشت. هاجمتنا أشباح عرب مقرات و صوبتُ النار على – الهمباتي نعيم و لم يمت، فتح ذراعيه المليئة بالتمائم و قال صوب مجدداً، و قد فعلت ذلك و أسرف جسده في بلع الرصاص – يا يسوع، إلا أن العجوز ميريام أنقذتني، نسختني لأنني كنت مذعوراً، طمأنتني ممسكة بيدي النحيلة السوداء، عرفت فيما بعد أن النار التي أشعلها العبابدة في جسد الطريق كان تشتعل في أفاعي الصحراء. شممت رائحة الموتى التائهين من القرى الطينية، و رأيتها بين جسدي اللصين واقفة و إبنها رفع شجرته تركنا و مشى.
إستند على ذراع الخواجة و رسم الصليب و قال هذا هو موتي، إشتد وهج النهار و لم تعد كسف الظلال الساقطة لتغوص في بيوت الطين حتى راحت الشمس تدور إلى الخلف لتعود إلى لحظة دخولهم الجبل، حيث لوحة المسيح الأسمر يمسك بيده الصغيرة ميريام.
هوى على بعد عدة خطوات و هو يزبد دماً و إرتطم بالأرض إرتطامة جافة و تفتت و كأنه كتلة من طين، أخذ الحزن يأكلني فلم يعد جسدي خبزاً و لا دمي خمراً و كان تراب الصحراء يملأ فمي و يكشط جدار حلقي و عيناي تغوصان في ظلمة و شعري القرقدي إمتلأ بالتراب و إنفتح الباب جانحاً إلى الخارج و هناك رفعت ميريام السمراء صوتها: لا تخف يا يسوع، لا تخف يا إبني.

مريض رقم (1)
لا يبدو عليك أثر مرض، كل ما في الأمر عينيك تبرقان بشدة، تلمعان كفلاش كاميرا. لست مصاباً باليرقان فالمساحة التي تصفر في العادة إنمحت، لكنك تخبرني بأنك تسمع صوت نغمة رسائل في بطنك، و هذا ما لا أجد له تفسير، عليك ببلع حبوب الحموضة لتفادي حالة الغثيان المفاجئة، الزانتاك أفضل. كل نتائج تحاليل الأشعة جيدة، التلوي الذي تحس به أمر عادي، مصرانك في مكانه لم يذهب حيث قلبك، مازالت طياته جديدة، لذلك لا تكويه. كل معداتك الداخلية منتظمة، حتى المادة الصفراء لونها أصفر، أمزح طبعاً.
- و لكن دقات قلبي غير منتظمة.
عليك بتمرينها، يومياً إختبر ثلاثة مواقف متتالية، إفرح و إحزن و إطفو.
- هل يمكنني أن أحب.؟
لقد قاطعتني مرة أخرى، بإمكانك قراءة الروشتة و هي فارغة كما ترى. و هذا ما لا يمكنني تفسيره، أخبرني مجدداً، ماذا أكلت بالأمس.
- أود إخبارك بأمر. لقد إبتلعت هاتفي يا دكتور!.

مريض رقم (2)
عزيزي الدكتور أوليف كراوزة، أود إخبارك أنني قدمت من مترو مدينة بون، بعد أن قطعت تلك المسافة من كولونيا حتى جادة فيزيلينغ حيث البنايات ذات اللون البني قد إكتظت بالأشجار المريضة ذات الأوراق الصفراء المتساقطة، برغم السماء الملبدة بالغيوم إلا أنني خرجت بمعطف فقط، بدون حذر الدوتش حاملي المظلات.
لقد إنتظرت إسبوعاً كاملاً – أخبرتهم أن حالتي حادة و أنني أسمع أصواتاً في رأسي، قلت ذلك بلغة مكسرة، جعلت المضيفة التي على الهاتف تضحك:
- يمكنك زيارتنا بعد إسبوع في العيادة النهارية.
كانت الحرب قد إشتعلت في البلاد الكبيرة، نزحنا جميعنا ناحية الشمال، أتذكر كل شئ بوضوح، فتحت لنا أوربا حضنها الشائك، كنا خليطاً من البيض و السود – هكذا تصورت العالم سيتجمع في حاملة حلوى مشكلة و سيطعمه الرب للملائكة الصغيرة في عيد القيامة، و لكن أن تفاجئنا صيحات الحياة: حلوى أم مقلب، فإننا سنشرب المقلب الأبدي كمغفلين.
لقد إنتشرت موجة التفجيرات في الأيام الأخيرة، إنفجرت ركشة كان يقودها مجنون ملتحي، قبلها إنفجر حمار، و قط في مقهى، و سحابة عصير في فم فتاة، لم يعد ثمة مهرب، أنا أؤمن بأن الناس عندما يموتون فإنهم يصدرون موسيقا، بالأمس إنفجرت عربة أمجاد، مات الجميع – عدا السائق الذي عندما فتح عينيه و تسربت لأذنه أغنية حقيبة لأبو داؤود، و موسيقى بداوييت قديمة ممتزجة بأغنية لأليسا و نشيد مجاهدين، أخذ السائق يصرخ: أغلقوا الإذاعة و لكن الدم النازف من أنفه و فمه جعله يسعل، ثم إنكمش و صدرت عنه أغنية " سعاد " للكابلي، أقسم أنني سمعت حتى السياط التي تتخلل الأغنية.
جلست عند مقاعد الإستراحة، لم يكن هنالك ممن يطلبون الإستشارة النفسية، جلس قبالتي رجل عجوز و فرد صحيفته، تحدثنا سوية عن أخبار طالعها اليوم، سألني هل توفي جون لينون، أخبرني بأنهم يسكنون دولابه، منذ أن كان صغيراً كل الصور التي إقتصها من المجلات كانت تتحرك، فرقة البيتلز عزفت له و غنى معهم، جعلني أضحك، و عندما إنتبهت لصوت مساعدة الطبيب: تبقى لموعدك عشرة دقائق، رميت الجريدة و و قفت لوحدي و أدخلت يدي في بنطال الجينز و طويت صورة بول مكارنتي، سألتها عفواً: أين الحمام ؟.
دكتور أنا أعتذر لو كانت تفوح من فمى رائحة البيرة، لكنني أريد أن أخبرك بشئ، الأريكة مريحة و أنا خائف من إضاءتك المنخفضة تلك، لم أنم لمدة أسبوع و النظارات التي أضعها حاولت بها إخفاء الهالات الحمراء، التي لم تختفى بباودر الأطفال، أنا أملك القدرة على تتمة حلمي - أقصد إكماله من حيث إنتهى، كنت غالباً ما أنجو من المشاكل التي تعترضني في الحلم، لا يستطيع الصباح إعتراضي على تكملة موعد ضربته في حلم، زجاجة بدأت شربها قبل أسابيع يمكنني إكمالها، أي أغنية سمعتها في فونوغراف الحلم أكملتها. و لا أستطيع النوم الأن، فقد تركت رصاصة معلقة على جبهتي منذ ليلة الأحد الماضي و لا أعرف ماذا أفعل، سأموت إن رجعت، لم أعد أملك الثقة الكافية لأتأكد ما إذا كانت نظريتي حول الجثث التي تصدر الموسيقى صحيحة - أرجوك أوقف أغنية (a hard day,s night ).

مريض رقم (4)
بعد عام من سبتمبر 1983م، إستيقظ سكان قرية نائية على شريط النهر الشمالي مُصابين بداء كسر الجِرار، بعد ليلة سُكر عظيمة في زواج جعفر، عربد فيها المراهقين و لم يرجعوا لبيوتهم، رمت الفتيات شعرهن المجدول على من يحبّن، بدون خجل. تعارك الرجال في المناطق المظلمة و إستلقوا على الأرض و ناموا.
إستيقظت ست النفر و كانت أعراض الثمالة تعصف برأسها و تركيزها، أخذت تجرجر قدميها تجاه زير المريسة، في المطبخ الطيني و قبل أن تصله قررت شرب المياه الباردة، أحست بطعم لاذع، فكرت ربما في الكوب، منعها الصداع من التحديق في قعره النحاسي، أحست بأنها إبتلعت طحالب خضراء، في بلد لم يكن فيه مذياع لتسمع عن العاصمة، عن جعفر الذي في البندر.
كانت الرغبة في تحطيم جرة المريسة تتعاظم، ذلك الشئ المخيف و الذي تسرب في روحها، محركاً يديها لتدفع إناء مريسة السمسم الغالي و تكسره، ذلك الشئ الأخضر القمئ، يشبه رداء البوليس و إسمه شريعة، كان محمولاً في ماء النهر.

مريض رقم (5)
يدي ستأكلني و أنا خائف من هذا، وضعوا لي الحناء منذ أيام و لم تتلون يدي، كان الأمر مريباً لدرجة أرادت أمي قطعها و وضعها داخل الوعاء الطيني لمسحوق أوراق شجر الحناء.
أصبحت تراودني هذه الأفكارمنذ مدة ليست بالطويلة، كنت أهمل فيها نفسي تماماً، أقضم أظافري حينما أحس بإشتهاء ذلك، لا أغسلها، منذ صغري كانت يدي صديق الخيالي، أُصير أصابعي كأقدام سوبرمان و أتعارك بها مع الأخرى، أدسها في خجل عندما أقف أمام الفصل و أنا في درس المطالعة- كأنما أدس كيس حلوى من الأخرين.
حاولت أن أتلغب على خجلي، دربت أصابعي على الطرق للمشاركة في حل الأسئلة، إلا أنها سرعان ما كانت تخذلني، فيختفي الصوت في الفراغ، أجدني أعرف الإجابة و لكنني أعجز عن الإجابة.
أُعرض يدي للشمس، أقودها للنزهة ككلب مدلل، مجبراً على حملها، لأنني لا أستطيع تركها حرة هكذا، لمرات كثيرة كانت يدي اليمنى تسبب لي الحرج، أعني أنها كانت تسارع لتسالم المارة فيضحكون، أضحك وقتها لكن سرعان ما يتملكني شعور بالحرج.
أعتني بيدي، أمسحها بالمعطر و مرطب البشرة. قادتني يدي للتعرف على أجزاء أخرى من جسدي، و كمراهق أخرق صرت تابع لها. كان الأمر شهياً بلا شك، ذات مرة حلمت بيدي تمر على شعر فتاة، كان أسوداً فاحماً لدرجة أنني لم أرى يدي، كانت تغطس في ليونة أبدية، إعتقدت أنها إختفت هناك، كان ساعدي بدون مرفق، إستيقظت مفزوعاً لأجدها موضوعة في أماكن مريبة.
تمردت يدي ضدي مجدداً، أصبحت تبدي غضبها بوضوح و ترتجف، حاولت أن أتعايش مع نوبات فزعها تلك، حتى إن عظم بنصري ظهر كبروز، صار يشعرني بالحرج حينما أصافح أحدهم، و كأنه شتلة تمر جانبية أو أصبع جديد ينمو، فكرت في إرتداء القفازات، معاقبة يدي بحرمانها من كل شئ.
سأخلع مرفقي بأكمله، لأنني أحس بأن يدي ستأكلني. أقسم أنه ليس تهديد، حاولت يدي خنقي بالأمس، نما شعر رمادي على ظهر أصابعي و أصبع بروز العظم كأصبع سادس، لم يعد بإمكانني الكتابة. برزت العروق من كلتا يدي، كانت خضراء و بها عُقد كعيون مغمضة، بدون بصمات واضحة و مسطحة، حتى الخطوط العرضية إنمحت، الدم المتدفق على الورقة التي تراها الأن، سببه العنكبوت الذي تحولته يدي، حاولت قتله عبر غرز القلم فيه مباشرة، لكن ذلك الشئ أفلت لذلك أنا خائف من يدي، ستأكلني أو ستأكل الفتاة التي سيزوجوني إياها.

شقة الفيصلية
قرأت هذه القصة في جريدة وجدتها ملقاة بالقرب من مطعم , كانت ملفوفة بإحكام و فارغة من الداخل , تصفحتها بعد تناولي سندويتش طعمية و تقيأت بعدها , ذلك الشئ العفن بداخلها دفعني إلى طيها و تمزيقها ثم رميتها بعيداَ.
بإمكانك تسميتنا بالهاربين , نحن بإنتظار مراكب الإسكندرية الصدئة لنعبر المتوسط , طالت الفترة التي قضيتها في مصر كشخص ذو نية للهجرة غير الشرعية , تحصلت على الأموال التي في حوذتي من والدي دفعتُه لبيع حيازته من أراضي محصول السمسم , أخبرته بأن الأمر سهل , إلا أن فترة إنتظاري في مصر طالت , و يبدو أن المتوسط قد شبع من جثث الأخرين و لا يرغب فيَّ حتى كجثة طافية.
كثفت الشرطة المصرية من مراقبتها للساحل في الشهور الماضية , اليوم أنهيت إفطاري و تقيأته، صرِتُ الأن متردد و قلق بسبب ذلك العنوان اللعين بجريدة مرمية :
جثث بلا أعضاء.
ﻣﻦ ﻧﻮﺍﻓﺬ ﺍﻟﺸﻘﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻄﺎﺑﻖ ﺍﻟﺨﺎﻣﺲ ﺧﺮﺟﺖ ﺍﻟﺮﺍﺋﺤﺔ ﺍﻟﻌﻔﻨﺔ ﻓﻲ ﺣﻲ ﺍﻟﻔﻴﺼﻞ ﻭﺗﻢ ﺍﻹﺗﺼﺎﻝ ﺑﺎﻟﺸﺮﻃﺔ.. ﻭﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﻤﻔﺎﺟﺄﺓ ﻋﺪﺩ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺜﺚ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﻠﻠﺖ , ﺳﺒﻌﺔ ﺳﻮﺩﺍﻧﻴﻴﻦ ﻭﺑﻴﻨﻬﻢ ﺻﻮﻣﺎﻟﻴﻴﻦ

ﺗﻢ ﺳﺮﻗﺔ ﺃﻋﻀﺎﺀﻫﻢ ﻭﺍﺣﺪ ﺗﻠﻮ ﺍﻵﺧﺮ، ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﻛﺒﺪ ﻭﻻ ﻗﻠﺐ ﻭﻻ ﻛُﻠﻰ ﺩﺍﺧﻞ ﻛﻞ ﺍلجثث ﺍﻟﺘﻲ ﻣﺮَّ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺃﻳﺎﻡ. أما تلك الجروح المخيطة بدأت بالتفتح , كانت أجسادهم ملقاة كدُمى دببة يظهر القطن من بطونها الممزقة.
لقد تذكرت , أظن أن الخبر لم يكن بتلك المأساة , أظنه خيالي المريض , ربما كانوا في زيارة عادية لعيادات أطباء طيبون , أو يمتلكون من النية الطيبة لوهب الأخرين زوائدهم العضوية , قد يكونوا أكثر حِنية و يمتلك الواحد أكثر من قلب أو كبد , لذلك بكرم السودانين قرروا منحها لأخوتهم.
في اللحظة التي سأخبرك فيها أن تتوقف , ستتوقف و تنسى ما أخبرك به , أنا أيضاَ مقاول و لكن من نوع خاص , تخصصت في إحضار من تقطعت به السبل , مثل حالتي , بعدما إنقطعت أموالي و بعت إحدى كليتي , أخبرهم فقط بمكان العيادة , و أخذ ما أقتات به لشهر لحين عودة القوارب , فصل الشتاء يجعل البحر مكنسة ضخمة لقوارب الهروب , تلك الكلى ذات اللون القاني غالية , و نحن نستطيع العيش من دونها , الكثير من مروا بواسطتي إستطاعوا الوصول لأوربا برغم عوزهم، بكلية واحدة فقط.
في الحقيقة لا أستطيع أن أجزم بأن الجميع يسافرون , فمرة دخل محمد الفوراوي تلك الغرفة بائعاَ كلية واحدة و خرج فاقداَ لكليته و جزء من كبده , لم ينتبه للأمر إلا عند وصوله للدنمارك , أظنه سبني و لعنني , ههه و يود قتلي , لكنه قبض مبلغاَ كبيراَ من العائلة المصرية.
مرة حاول خمسة عشر شاب سوداني الهروب لإسرائيل , و إتفقوا مع شيخ من عرب سينا , في الليل وضع لهم المنوم , و عند الصباح إستيقظوا في الصحراء , كادت أصوات مايكروفونات أن تصم أذانهم , لكنهم كانوا فزعين , ركضوا , تناثروا في تلك الرمال يتعقبهم رصاص حرس الحدود , كانت الرصاصات تخترقهم و تخرج من الجانب الأخر ك أكياس نايلون بينما أخذت الريح تطير أجسادهم , بإتجاه الرياح الشمالية الشرقية الباردة القادمة نحو تل أبيب.
لم تغادر مجموعة شقة حي الفيصل المدينة , لم تستوعبهم القوارب بعد و لم يصيروا جزءاَ من مخيلة الصحراء أو سرد رشاشات حرس الحدود.
كان عميلهم يونس المصري من طرف المشتري , و من طرف البائعين أدم أبكر , أما كيف إلتقوا , قبل أسابيع و في ميدان سليمان جوهر بحي الدقي , الساعة الثامنة صباحاَ مجموعات من السودانين تجوب الميدان , يتواجدون بكثافة عند القهاوي , إقترب منا الشيخ يونس , كان وجهه أبيضاَ تحيط به ذقن دائرية و بحاجبين كثيفين تفرس وجوه الأشخاص الجالسين ثم جلس واضعاَ يديه حول كرشه و إلتفت ناحيتي , كنت بجواره تماماَ حين همس:
- السودانين أجدع ناس و اللاي.
حينها ضحك أحد الشباب بجوارنا , و زاد الحوار إستفزازاَ حين إمتعض و قال:
- الحلبي الخول دا شن داير..
أظنه كان توقيتاَ مثاليا حين حضر القهوجي بمريلته المتسخة و طلب البعض قهوة و شاي. لم يُعر الشباب ذلك الرجل أية إهتمام الذي عقب بجملة :
- ياض حساب الشباب دول خالصين.
إستنكرت فعلته تلك و قلت , بإمكاننا الدفع , حينها إلتفت و نظر إليَّ و قال:
نحنا إخوات , اذا إحتقتوا لحاقه أولو لولي.
لأيام تلت كرر فعلته تلك , إرتحنا له قليلا و بادرناه الفضفضة , يومها همس في أذني:
- تبيعوا صفاية و له لمبه ؟!
تلت تلك الأيام فترة سيئة لم أكن أملك فيها ما أقتات به، جعت طيلة المساء فيومها قررت فقط التوجه إليه ليقرضني المال الكافي.
شلة حي الفيصل , ثلاثة منهم كردافه و إثنان من قبيلتي , و إثنان من منطقة الجزيرة , و صوماليين , كنا في إنتظار المركب " فرج " , و لما كانت أمواج البحر تتلاطم و في أوجها , لم يكن ثمة مفر.
أنا أدم أبكر , و كل ما يقوله جيران الشقة حول عواء سمعوه من الشقة , و عن كلاب ناوشت بعضها ليلا هو كذب , حتى تلك الجروح الجانبية في خصورهم لم تكن مفتوحة , لقد أجروا العملية بخير , الدكتور و الشيخ يونس المصري أخبراني بذلك في الهاتف , قد يكونون نيام , لكنني أقسم أن سندويتش الطعمية بسلطة الخضار تحول إلى كبد و أمعاء بشرية ملفوفة بداخل قطعة الخبز , لم أستطيع مضغها و تقيأت جلداَ من بطني.

التي تخيف إبن سيرين
سأل رجل إبن سيرين، كيف تحلم، فقال أحلم حتى أشبع، قال هذه عادة الدواب- قُطع الحديث هنا و خطرت للسائل فكرة، أن يطلق بكل بساطة دابته تلك. يقول مفسر الأحلام: أكثروا من رؤية من تحبون َ، فهذه العيون تُرفع، و الرفع هنا منزلة في الشوف، و الشوف قصر النظر و طوله في الداخل، فكيف بمن يحكي حكاية، و كيف بما في صدور الرجال؟ قال: تسري عليهم ليالي فيصبحون قفراً وينسون دوابهم تعلف ما يحلمون به ويقعون في قول الجاهلية وأشعارهم، وذلك حين يقع القول عليهم".
و ما القول، و كنت إذا دخلت الحديقة دعوت: بحبك، هكذا التي بدون شروط، التي إن سكت عنها أكلتني، التي تخرج كمانجو - حادقة، أحبك التي لا تجيد غير نفسها، التي تكون مزيلة بكلمة بس. كانت الأشجار تأكلني، تغرس جذورها في رقبتي.
أحبك التي تمر في جحر نملة، أحبك التي تسع السموات السبع، و التي تشعل النار في دمي، أحبك التي تجرف بيوتي.
التي نكتبها في أدراج الفصل، و جدران الطوب الأخضر، التي تأكل ما قبلها. التي يهابها إبن سيرين-إذا مرت في حُلم.

شقة الفيصلية
قرأت هذه القصة في جريدة وجدتها ملقاة بالقرب من مطعم , كانت ملفوفة بإحكام و فارغة من الداخل , تصفحتها بعد تناولي سندويتش طعمية و تقيأت بعدها , ذلك الشئ العفن بداخلها دفعني إلى طيها و تمزيقها ثم رميتها بعيداَ.
بإمكانك تسميتنا بالهاربين , نحن بإنتظار مراكب الإسكندرية الصدئة لنعبر المتوسط , طالت الفترة التي قضيتها في مصر كشخص ذو نية للهجرة غير الشرعية , تحصلت على الأموال التي في حوذتي من والدي دفعتُه لبيع حيازته من أراضي محصول السمسم , أخبرته بأن الأمر سهل , إلا أن فترة إنتظاري في مصر طالت , و يبدو أن المتوسط قد شبع من جثث الأخرين و لا يرغب فيَّ حتى كجثة طافية.
كثفت الشرطة المصرية من مراقبتها للساحل في الشهور الماضية , اليوم أنهيت إفطاري و تقيأته، صرِتُ الأن متردد و قلق بسبب ذلك العنوان اللعين بجريدة مرمية :
جثث بلا أعضاء.
ﻣﻦ ﻧﻮﺍﻓﺬ ﺍﻟﺸﻘﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻄﺎﺑﻖ ﺍﻟﺨﺎﻣﺲ ﺧﺮﺟﺖ ﺍﻟﺮﺍﺋﺤﺔ ﺍﻟﻌﻔﻨﺔ ﻓﻲ ﺣﻲ ﺍﻟﻔﻴﺼﻞ ﻭﺗﻢ ﺍﻹﺗﺼﺎﻝ ﺑﺎﻟﺸﺮﻃﺔ.. ﻭﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﻤﻔﺎﺟﺄﺓ ﻋﺪﺩ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺜﺚ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﻠﻠﺖ , ﺳﺒﻌﺔ ﺳﻮﺩﺍﻧﻴﻴﻦ ﻭﺑﻴﻨﻬﻢ ﺻﻮﻣﺎﻟﻴﻴﻦ

ﺗﻢ ﺳﺮﻗﺔ ﺃﻋﻀﺎﺀﻫﻢ ﻭﺍﺣﺪ ﺗﻠﻮ ﺍﻵﺧﺮ، ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﻛﺒﺪ ﻭﻻ ﻗﻠﺐ ﻭﻻ ﻛُﻠﻰ ﺩﺍﺧﻞ ﻛﻞ ﺍلجثث ﺍﻟﺘﻲ ﻣﺮَّ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺃﻳﺎﻡ. أما تلك الجروح المخيطة بدأت بالتفتح , كانت أجسادهم ملقاة كدُمى دببة يظهر القطن من بطونها الممزقة.
لقد تذكرت , أظن أن الخبر لم يكن بتلك المأساة , أظنه خيالي المريض , ربما كانوا في زيارة عادية لعيادات أطباء طيبون , أو يمتلكون من النية الطيبة لوهب الأخرين زوائدهم العضوية , قد يكونوا أكثر حِنية و يمتلك الواحد أكثر من قلب أو كبد , لذلك بكرم السودانين قرروا منحها لأخوتهم.
في اللحظة التي سأخبرك فيها أن تتوقف , ستتوقف و تنسى ما أخبرك به , أنا أيضاَ مقاول و لكن من نوع خاص , تخصصت في إحضار من تقطعت به السبل , مثل حالتي , بعدما إنقطعت أموالي و بعت إحدى كليتي , أخبرهم فقط بمكان العيادة , و أخذ ما أقتات به لشهر لحين عودة القوارب , فصل الشتاء يجعل البحر مكنسة ضخمة لقوارب الهروب , تلك الكلى ذات اللون القاني غالية , و نحن نستطيع العيش من دونها , الكثير من مروا بواسطتي إستطاعوا الوصول لأوربا برغم عوزهم، بكلية واحدة فقط.
في الحقيقة لا أستطيع أن أجزم بأن الجميع يسافرون , فمرة دخل محمد الفوراوي تلك الغرفة بائعاَ كلية واحدة و خرج فاقداَ لكليته و جزء من كبده , لم ينتبه للأمر إلا عند وصوله للدنمارك , أظنه سبني و لعنني , ههه و يود قتلي , لكنه قبض مبلغاَ كبيراَ من العائلة المصرية.
مرة حاول خمسة عشر شاب سوداني الهروب لإسرائيل , و إتفقوا مع شيخ من عرب سينا , في الليل وضع لهم المنوم , و عند الصباح إستيقظوا في الصحراء , كادت أصوات مايكروفونات أن تصم أذانهم , لكنهم كانوا فزعين , ركضوا , تناثروا في تلك الرمال يتعقبهم رصاص حرس الحدود , كانت الرصاصات تخترقهم و تخرج من الجانب الأخر ك أكياس نايلون بينما أخذت الريح تطير أجسادهم , بإتجاه الرياح الشمالية الشرقية الباردة القادمة نحو تل أبيب.
لم تغادر مجموعة شقة حي الفيصل المدينة , لم تستوعبهم القوارب بعد و لم يصيروا جزءاَ من مخيلة الصحراء أو سرد رشاشات حرس الحدود.
كان عميلهم يونس المصري من طرف المشتري , و من طرف البائعين أدم أبكر , أما كيف إلتقوا , قبل أسابيع و في ميدان سليمان جوهر بحي الدقي , الساعة الثامنة صباحاَ مجموعات من السودانين تجوب الميدان , يتواجدون بكثافة عند القهاوي , إقترب منا الشيخ يونس , كان وجهه أبيضاَ تحيط به ذقن دائرية و بحاجبين كثيفين تفرس وجوه الأشخاص الجالسين ثم جلس واضعاَ يديه حول كرشه و إلتفت ناحيتي , كنت بجواره تماماَ حين همس:
- السودانين أجدع ناس و اللاي.
حينها ضحك أحد الشباب بجوارنا , و زاد الحوار إستفزازاَ حين إمتعض و قال:
- الحلبي الخول دا شن داير..
أظنه كان توقيتاَ مثاليا حين حضر القهوجي بمريلته المتسخة و طلب البعض قهوة و شاي. لم يُعر الشباب ذلك الرجل أية إهتمام الذي عقب بجملة :
- ياض حساب الشباب دول خالصين.
إستنكرت فعلته تلك و قلت , بإمكاننا الدفع , حينها إلتفت و نظر إليَّ و قال:
نحنا إخوات , اذا إحتقتوا لحاقه أولو لولي.
لأيام تلت كرر فعلته تلك , إرتحنا له قليلا و بادرناه الفضفضة , يومها همس في أذني:
- تبيعوا صفاية و له لمبه ؟!
تلت تلك الأيام فترة سيئة لم أكن أملك فيها ما أقتات به، جعت طيلة المساء فيومها قررت فقط التوجه إليه ليقرضني المال الكافي.
شلة حي الفيصل , ثلاثة منهم كردافه و إثنان من قبيلتي , و



Comments


  1. تحية للكاتب ولكل من أثرى بعقله وقلمه مجرى النقاش. أنا من قراء عبدالله القصيمي المفكر المبدع الذي عانى الأمرين من المتدينين. لكن يا أهل السعودية هناك أمل طالما أن أقلامكم قد وصلت إلى الحوار المتمدن ... متنفس الحرية.
    رحلات الي شرم الشيخ
    حجز رحلات شرم الشيخ
    عروض رحلات شرم الشيخ
    رحلات شرم الشيخ
    رحلات الي شرم الشيخ
    حجز رحلات شرم الشيخ
    عروض رحلات شرم الشيخ
    رحلات شرم الشيخ
    رحلات شرم الشيخ
    شركة تصميم مواقع

    ReplyDelete

Post a Comment

Popular posts from this blog

سؤال الضهبان

أبو القدح