ذات الصدفات الست


ذات الصدفات الست

حسن الجزولي

بعدما أطعمنا مطعم المدينة التي ظلت تضج دوماً منذ ولادتنا بما طاب لها من مآكل ومشارب في عمق سوقها العتيق ـ هكذا حلمت ـ كنا ثلاثة، الذي يتوسطنا كان أكثرنا تفاؤلاً، وأكبرنا كان الأكثر ضحكاً وعمقاً، وكنت أقلهما عمراً.
خرجنا من هناك نتعمق أكثر في باطن المدينة والسوق، وفي طرف قصي، ندهتنا إحدى "الإعرابيات" التي كانت تجلس أمام ودعاتها الست، فقدّرنا أنها ضاربة له. جلسنا حداها ونحن نتوق للسخرية وتزجية الوقت، قالت إن صدفاتها لا تخيب. طلبنا منها قراءة طالعنا، ونحن نؤمل النصر المؤزر، كان ذلك أوان منتصف تواريخ البلاد التي تقصف بالأعمار الموغلة في الرحيل، أوسطنا كان خارجاً لتوه من أوج الرحيل السياسي، وأكبرنا كان متدثراً بحضوره المفرح، بينما توغلت أنا متوجساً من سحر عينيها، المرأة تلك وبعينيها الساحرتين، وبمجرد أن رمت بودعاتها الست، التي تفرقت قطعة إثر قطعة في جهات الأرض الأربعة من حولنا وكأنها أيدي سبأ، رفعت رأسها بتؤدة العرّافة العريقة في رؤواها التي ما خابت يوماً، وكنا نجهل معرفتنا بها، هذه الوداعية التي لم نرها في هذا السوق مطلقاً، مع أننا نحفظ عن ظهر قلب كل أحابيل باعتها.
كانت في العقد السادس من عمرها، ومع ذلك إحتفظت بعينين جميلتين، ووجهاً نضراً، كان الكحل حول بؤبوء عينيها يزيدها ألقاً وسحراً غريبين. سحرٌ أقرب لأولئك النسوة اللاتي تتمنى أن تمشي منهن بأقصى سرعة، دونما أدنى سبب، وألقٌ أبعدُ من أن تبتعد عنها إن التقيتها.
عندما رمت بحجارتها الصدفية الست، رفعت رأسها بتؤدة. كانت كمن يقصد توجيه النظر لي تحديداً، ثم تطلعت بعدها في ثلاثتنا متفرسة كأن لتفحصنا. ألمّ بنا الصمت العجيب. هو الخارج لتوه من أوج الرحيل السياسي، وأكبرنا المتدثر بحضوره المفرح، وأنا الموغل في توجسي من سحر عينيها ، فطفقنا ننظر إليها، ألفيتها بعد ذلك وكأنها تشيح، أو تقصد ألّا تنظر قبالتنا. وبعد أن أطالت النظر نحوي تحديداً، ثم رفعت رأسها إلى أعلى، كمن يخاطب أرواحاً أخرى ترفرف فوق رأسها وحول المكان، سألت عن الأكبر فينا، جاوبناها، ثم الأوسط، فجاوبناها. صمتت لفترة طالت وهي تجول النظر حوالينا بصورة ليست مباشرة، كانت وكأنها معنية بمخاطبة تلك الأرواح التي ترفرف فوق رأسها وحواليها.
قالت بعدها:ـ
:ـ "أوسطكم الأول".
:ـ "وستٌ من السنوات ستكون للأكبر".
:ـ "وبعد ستٍ أخرى ستكون أنت التالي " لحظتها كانت تنظر لي بعينين فيهما أسى، كان الكحل حول بؤبُئيهما يزيدها القاً وسحراً غريبين، سحرٌ أقربُ لأولئك النسوة اللاتي تتمنى أن تمشي منهن بأقصى سرعة، دونما أدنى سبب.
لم نفهم بالطبع، وطالبناها بالايضاح والافصاح ثم ألححنا عليها. نظرت نحونا نظرة غريبة لم نفهم مغزاها، حاولنا منحها مبلغاً إضافياً ولكنها تمترست خلف رفضها، ألفيتها وكأنها لا تريد التحدث معنا أكثر من ذلك. لملمت صدفاتها الست وأطراف أشيائها الأخرى، وانسحبت بعيداً عنا. حينها قال أوسطنا هازئاً:ـ
"دعوها .. (فإنها مأمورة) يا صحاب."
وقال أكبرنا عمراً بعد أن حسب المدة في ستة من أصابعه:ـ
:ـ " ستُ سنواتٍ ليست بالقليلة ".
قلت أنا بعد أن بانت لي أعداد السنوات التي أشارت لها الاعرابية
:ـ " ويح قلبي المانفَك خافق ،، ستُ سنوات ليست بالكثيرة ،، ويح قلبي ،، فقد (إحتجب عمري)!"
ثم ،، وفجأة تلاشى الحلم العجيب سريعاً وتبعثر!.
نهضت من نومي متثاقلاً، لا أذكر من الحلم الذي تلاشى سريعاً وتبعثر، سوى صدفات الإعرابية التي أعدتُ احصاءها في مخيلتي فألفيتها ستاً.

Comments

Popular posts from this blog

سؤال الضهبان

أبو القدح

نصوص قصيرة، أيمن هاشم