وشاية البروق


وشاية البروق


سنجة،
ذات خريف.
عثرتْ صراصيرُ على زئير أسد فنهشنه إلى شرائح رفيعة ومستطيلة تُغنيِها لدهور من زعيق وراءه ألف طائل. يا لدَعة الصراصير. تقطع من الزئير على مقاس زعيقها لتتفرغ بعده للجنس الماجن، ربما. جنس مدفوعة آهاته.
هي سنجة، ذات خريف.
رعب البروق أقوى من صدى المدن الثلاث البعيدة. بعيدة الآن في جوف جفافها. ومعنا عودٌ نداري أوتاره الخمسة من المطر الكاسر. ومافهمنا، فالسحاب يدنو كي يرّبت على كتف المدرس المائل ويمد العودَ بسحر تدركه خواتيم الحواس قبل عشاء وخيم أو يحاول شيئاً من دو ري مي تفض بكارة (الزيفة)! وأهتف: يا سنجة أنت آخر من ظننت أن له امتثال لما في الذاكرة. ولك في الخلود ماءٌ. أتفوقين سنار؟ ويح ممالك التشكل من وعورة الولادة الزنيمة. ويح ممالك الزرق بادت عن آثارها....
سنجة، ليس في وسع إمرئ أن ينتحر والغمام يستبيه بوعد أسمى من خيال الكوتشينة!
سنجة، يا خوفاً طفولياً من دنو السحاب!
سنجةُ المدرس الذي يداري عوده من البلل ويحرضني على قطف الغمام!
*
وتحت سقف من مطر مرقنا، أنا والمغني!
لا أكاد ألامس الدروب من فرط وحشتها. بينما هو يعيد ترتيب أحجارها بشئ من المودة. هناك، يا إلهي، من يوادد الحجر!
كان المغني يجّد في طلب (الميز) ولا ينتظر الرعود مثلي. فبعضها، كالوعود، لا يأتي رغم سطوة (العبادي). وكنت أعجب. بعض البروق عقيم كبعض الرجال الذين ترزم دعاواهم بالفحولة. ولم أفرح ب"عيد الكواكب"، وكان لا بد أن يأتي ذكره. لم أفرح بالكواكب نفسها وأنا أراها تساقط دون أن يعنيها غياب الدوي عن سقوطها. تسقط كما الأحداث الجسام داخل أضغاث الأحلام. يقول المحتفون بهذا العيد الخرافي، وهو عيد من مستحدثات السبعينات، إن فيه نور الدنيا صفاه ثاقب. يمجدون الجهرة والإبهار وكذا العشا الليلي....ورعب الطبيعة. هكذا يبدعون الطلاسم المقيمة. كانوا في تلك الأيام قد استعادوا مجد أغنية قديمة ل"عثمان الشفيع". لم أكن أعرف بالضبط لماذا لم تكن أغنية زمانها أو لماذا هي فجأة أغنية زمان آخر يأتيك بأخبارها كل ذاهب على دروب القعدات. سنجة تستمد قوتها، إذاً، من البروق ومن أغنيات ذاهلة. هنالك رغبة عارمة لديّ لعقد مقارنة بين سنجة وسنار مبتعداً بإصرار عن تماهيات التاريخ وأخيلة التصوف. عن أي مجد مندرس لا أثر له إلاً في أمانينا. وعن تكتكات الشيخ فرح. ولكن لا وقت لذلك وأنا أطل من شباك كئيب في (الميز).

*
ساعداي ساعداني أن أباعد بين أنفي وروائح صغيرة تتقافز بين بقع على خشب النافذة. سعوط، أعقاب سجائر مندرسة وبصقات الخسارة الوخيمة في (الكنكان). الملك الشائب يتبوّل على بنت شيرية. وبنت شيرية تنشغل عن مائدة الكوتشينة. تسمع صوتا ثقيلاً. شئ يسقط من سقف الحمام. وتحت البروق أرى المعدن الماخر لجج الظلام. لاندروفر قديم. يرصعه البرق فيجفل من حفرة لعشبة ويجفل من بداخله. كدت اسمع صياحهم والفوضى المطيرة. وكان لخيالي، يسكره هذا المشهد، صليل كصليل سنجة. كان الخوف كله بجانبي، وبجانبهم مجون السفر.
تذكرت مشهدا مماثلا لكنَ دمعي ضيعه البلل. من نفس تلك النافذة المتسخة وكان الوقت عصرا على أعتاب الأصيل. نفس هذا اللاندروفر الذي يبدو ماجناً هو الآخر. تتكسر أعضاؤه فوق لجج السراب. ولكن هل في سنجة ثمة سراب؟ فالماء في سنجة الحقيقة.
*
تصايحت نسوة الليلة وهن يغادرن اللاندروفر يتبعهن السائق وبين يديه زجاج يصطك وخلفه خف رجل آخر ينوء بكتلة لم أتبينها. وكنت قد عجزت قبلاً أن أتبين الاشياء التي كانت تفرفر داخل الجوال في ذلك اليوم.
قلت له، رائحتك خمر. ماذا أحضرت؟
نظر إليّ نظرة استنكار عابرة ثم تبسم قائلاً، خروفين جاهزين للطبخ.
قلت له ساخراً، طبخ؟ عليك ذبحهما أولاً. ألا ترى أنهما يتحركان داخل الجوال؟
ضحك وتراجع للركن الذي رمى فيه الجوال وبحركة خفيفة من اصبعه انبجست قرقرات صغيرة. ألجمتني الدهشة. كانت تلك أصواتاً آدمية. نظر لي مبتسماً واطمأن أني فهمت طرفًا من الحكاية. قال، بنتان صغيرتان سرعان ما تتعلمان. ولم أفهم الشعور الذي انتابني لوقوعه بين الفجيعة والتوقع الغامض لشهوة. عبر ذهني طيف من تذكرٍ لا يخصني. سيد وسياط وعبيد. يا للفداحة، صبيتان بكر يقدمهن الفقر قرباناً لنفسه. واصل هو قائلاً بنبرة جادة، أعرف خالتهما. امرأة طيبة تثق بي. أنت تعلم. أكرمتني ببعض صنيعها قبل أن يُؤتى إلىً بالصبيتين.
ثم بنظرة عميقة داخل عيوني قال، هي تثق أن لن يصيبهما سوء من عندنا.
وأطرق حزيناً وقال: لن أتمكن من رؤيتها قريباً. الوالدة. أرجو أن تعيش حتى أراها!

*
سهرة الميز تبدو لي كطواف مخمور حول منضدة. هو الميز كما زرته أكثر من مرة. تتغير الوجوه. قال المغني، لا نسأل أحداً عن سبب وجوده بيننا. ما على المرء إلاً أن يتمثل هنا. قلت وقد تبخرت فكرة أن أتقمص أني في مهمة، لا زلت غير مصدق لما حدث. قال بعد صمت، لابأس أن تعود إلينا كلما خطر لك ذلك.
إختفى وتركني أحدق من النافذة في أفق بعيد تصطرع فيه الرعود. البرق يكاد سناه يكشف ورق أحدهما للآخر. يصخبون وأعينهم على الورق. يشرحون اللعبة الخاسرة بالصوت العالي نكايةً ويبدون صادقين. تبدو خسارة بعضهم كالرعود الآفلة. كنت دائماً أحاول أن أتصالح مع لعب الورق بلا فائدة!

*
النسوة بعد أن تسللن خفافاً من اللاندرفر عبرن ممراً مفضياً للغرف ثم خرجن و قد تحلل بعضهن من بعض الثياب. لكنهن عجزن عن تغييرالمنظر. دك الكوتشينة كان ظني. دقُ مدماك الشهوة في قلب برندة الميز النملية. كان المغني قد انشغل عني وعن أن يغني بواحدة منهن. جميلة يغازل بياض عيونها البرق والرجال. تظنها تصغي له لكنها ترسل وعداً لغيره طي برقية. ترى مع من أتت ؟ لن تفتك بي على كل حال. وعبرت في ذهني صورة يوسف.
قال- قلت لك إنها طيبة القلب.
قلت- أبعد عنها يا أخي.
ضاعت مني لحظة أن بدأ الصخب. قال، أدمنتُ أفعالها الصغيرة. استفظعت صراحته. وانطلقت نقرشة العود من ركن آخر من البرندة الطويلة. انتقل إلى ناحيته المغني ولما يزل يرمقني بنظرة شفوقة. إشتغل ذهني برصد اللحاظ والدلائل الدقيقة في شفاه تبرطم أو في هنيهة أن تسترخي خائنة الأعين. عندما سألت المغني في موقف البص كيف ميزني من بقية الركاب الذين هربوا يتحررون من ضيق البص وحره إلى فضاء الرذاذ والوصول قال لي، الشبه. ثم ضحك لبرق كان ينتظر اسنانه فشاعت القناعة داخلي أنني إزاء مدينة من الغرابة الندية. أكثر الغرابات شجناً. لم أدر لماذا اخترعت فكرة أنني في مهمة تتعلق بوصية تخيلتها ليوسف. شجبتُ حالة الوثوق التي تلبستني وتجلت في تحيتي للمعلم الخالية من الامتنان. تلك التحية المتعجرفة. فالذي لا أساس له هو أنني بالحدس سأقرأ أخبار الدقائق السابقة لذهاب يوسف. ولكن ماذا يفيدني هذا؟ في مرات سابقة كانت سهراتهم أكثر رصانة من سهرة الليلة ونساؤهم مخبوءات إلاّ مَن إقترحن. كانت هناك مهابةٌ ما تبدو خلسة في عيون الرجال يشعلها وجود يوسف. كأن الكوتشينة مهربٌ من سطوته. وأكثر ما أزعجني تلك الفتاة. كان يحرص عليها. 
قال أحدهم إنه يحلم كثيرا أنه ضرط أمام خطيبته. جاءه الرد بارداً. وجه بين أوراق الكوتشينة قال، هذا ليس حلم إنها نبوءة. خذ (فام لاكس). وانفجر ضحك فاحش.
لو توليني إحدى النساء غيرها أكثر من نظرة علّني أطرح عنها شكوكي. ولكن كيف ذلك والفتنة مدلوقة على المناضد وبرائحة البيرة. لا أستطيع أن أميز بين مذاق شفاه ورحلة صيد متخيّلة. بعض النسوة تعرفن عليّ وبدا السؤال عن سبب عودتي للميز عالقاً. تناقلوه مثل طبق مزة. وكبرياء الحدس يلقي الحدس على قارعة التوقع.

*
سرَى أثر السكر مثل الخيانات الصغيرة لتنقلات أوراق اللعب، تلمع لمن يقتنصها، واستيقظت هفوات الجسد. قبلة سريعة لإمرأة رجل آخر
ربما أجدى من الآس، من البنت، من كل اللعب وأوراقه. ورويداً اندلقت الأسارير على حل شعرها وهان الكلام. ارتفع الحرج كما البخار
لا يلوي على شئ. تذكرت (ميزات) أخرى دعاني إليها. لم أكن أجهد في معرفة مَن هي فتاة مَن. لكني هنا والآن أرى وداً خصيصاً من الجميع للجميع. إلتصاقات لا أحتجاج عليها. مناخ للغيرة تعدو فوق فصوله الشهوات. حتى من بدأوا تنظيم السهرة بحنكة اضطروا لتجاوزات فاضحة. فعبروا تهدلات الشبق باعتذارات باهتة. وانكسرت كؤوس مصحوبة بشهقات منتقاة. مرت أمامي أكثر من مرة وألقت بنصائح عامة للاعبي الورق وكانت عيونها ترعى ذهولي كأنها المستفيد من وخزه. ها هي تستأنف إذاً. قلت في نفسي إن هذه خدعة. يستطيع أي إنسان أن يبدو بكيفية ما لمن يبحث عنه. رغبت أن لا تكون هي لكن البرق أراني ذلك الندب الخفيض على ظاهر كفها اليمنى. وبلغوا عيد الكواكب بُعيد اختفائها. أخذها أحدهم الى غرفته!
*
نمت أغلب النهار.
عندما صحوت كان الميز ساكناً كأن لم يكن صاخباً في أمسه. تعثرت في طريقي للنافذة. كنت دائماً أهفو لما وراء تلك النافذة.
رأيتني أتقدم، بحذر، نحو اللاندروفر، نفس اللاندروفر، وقد تعكر مزاجي. لم يرق لي مشهد الفتاة بجانبه. لاحظ هو ذلك فقال لي وهو يميل على الدركسون قليلاً ليراني، حجزت لك في أول بص صباح الغد أنت والصبيتين. ثم صمت قليلاً. كانت الفتاة باسطة ذراعها على اطار النافذة وقد بان ندب على ظاهر يدها اليمنى. أضاف وفي محيّاه ابتسامة غامضة، ستعجبك يوماً. إنها فتاة طيبة.
عبر إعتداد بالنفس على وجهها أثار حفيظتي. كان هو أنيقاً ووسيماً بأكثر من ما كانت تقول عنه أمي وبدا أصغر كثيراً من عمره. وهي لم تبعد كثيراً عن الطفولة وعن أن تسبب لي ضيقاً. نظر إليّ وإليها بمرح مفاجئ وقال لي، تعال من هذه الناحية.
قفز خارجاً من السيارة ودعاني أن أقودها. ترددت وكان يعرف أنني ما فعلت ذلك في حياتي بالمرة. قال لي، يا أخي (سوق)! هي فرصتك لتتعلم القيادة.
فتح باب السيارة الخلفي وتبعته هي. جلسا ورائي ينتظران أن أتولى القيادة. قال لي وهو يميل نحوها، هيا يا صاح! لأول مرة في حياتك، ولاندروفر. فقط تذكر هناك فرامل وبنزين وعصا تحركها. أمر بسيط. هيا.
كدت اسأله لماذا يستعجلني لكنني أدركت بلاهة السؤال. إنه يومي الأخير معه.
*
واجهت الحقول الخضراء أمامي بسيف مشهر وانطلقت كأنني سائق مخضرم. لم أهتم بالمزروع أمامي ولا المرعي. كان الغيم يجري أمامي وفوقي كأنا نتسابق مَن يدق نحاس الشفق قبل الآخر. بينما قررت طيور أن تستأنف نزهتها لاحقاً. وفجأة انتبهت للمرآة. كانا في عراك محموم.
اتسع صدري للدنيا كلها في تلك اللحظة. قهقهت بجنون للظلال المسرعة. كانت السيارة مثل جواد مطّهم بالدهشة. غفرت له أمر الفتاة وجرأته. أن يقبلها في حضرتي. بل أحسست أنني أقود سيارة محملة بقبلات العالم كله. وكانت خراف وماعز وأشجار صبورة تقف على جانبي الطريق. تنتظر مروري. لم تبد الطبيعة قلقة ومنفعلة. كان كل شئ في مكانه الصحيح من نبض قلبي المتسارع.  
وظهر اللاندروفر طافياً فوق البلل. أحسست بالمغني يقترب من ورائي.
قال، يبدو أنهم وجدوا لك مقعداً في بص ما بعد الظهيرة.

Comments

Post a Comment

Popular posts from this blog

سؤال الضهبان

MovieGlobe: Japan's Version of Romeo and Juliet

الواقعية المفرطة Hyperreality