Skip to main content

جنى، إبن المدينة الشرعي، طه جعفر


Jana: The Legitimate Child of The City
Short Story in Arabic
Taha Jaafer
جنى، إبن المدينة الشرعي
نص قصصي

طه جعفر



في تجوالها  وجدتْ حباً علي الرصيف. كان حباً زغباً و جديد. الأجواء حول العلاقة الجسدية المثمرة هي مناخ تسببت فيه أمطار عَرَضِية و مستعجلة، هبّت بعدها نسمات طروبة. كان يتجول جوار  جولاتها  في النهار الذي تلّون بألوان السحب، سماء زرقاء نسي الغبارُ  تكتيحها بلونه الأغبر، سماء صافية شمسها غاضبة لأن السحاب كان يغازلها بفتور. نشر السحاب لونيه الرمادي و الأبيض بجسارة  فانزوت الشمس. ضجت السيارات بالقرب منهما بضجيج المغادرة المستعجل، خلت الشوارع من المارة و هدأ المكان  فتجاورت جولاتهما و اقتربت أكثر، إحتميا بظلال الفراندة التي طالما طُرِدا من تحتها في أيام المدينة العادية، ربما يعود سبب الطرد الدائم إلي اتساخمها الشديد. الجميع لا يعلمون إنّها تتضايق من الإتساخ و لا تحبه. انهمار المطر الغزير حوّل سطح الفراندة المعدني إلي دُشٍ حنين و خاص. لوح الصابون الذي نسيه غاسل العربات ترك باب المغامرة مفتوحاً.
أخذت اللوح و تبادلت معه نظرات متجاورة و أليفة تماماً  كجولاتهما. تعرّت عن اسمالها فظهر جمال مؤقت علي جسدها الذي يسكنه العذاب و الحرمان، اغتسلت بالصابون. همت بغسل ملابسها، عدلت عن رأيها لأن قطعة الصابون كانت صغيرة، نادته قائلة: يا فردة ما تديها  موية و صابون!!
استجاب و تعرّي عن ملابسه فإنكشف جمالٌ مؤقت جداً و محدود في جسده المنحول. اغتسلا و تبادلا الحب. أحسّت بإنغراس النطف و الأمشاج في داخلها.
نسيته لأن جولاتهما لم تعد متجاورة. أتمّت حملها، ولدته علي الرصيف بمعاونة صديقتها العجوز التي أنهكها التسول و جردّها من كل شيء عدا تجاربها في مساعدة الامهات قبل الحروب ليضعن أوزار بطونهن بهدوء.
أحبت وليدها و درّت له اللبن المخلوط بالبنزين ، عوادم السيارات ، الغبار المتواتر  و الفقر الدائم. لم تفكر في تسميته لأنها إكتفت بكلمة الجَنَى. إعتقد الجميع أن اسمه  جَنَى فالتصق الاسم به التصاق الفقر و العذاب بهما معاً. كان جَنَى ابن المدينة الشرعي يحمل في جسده بصمة من عذابها المستمر، التشققات في جلده الجاف تشبه الشوارع المتسخة، الغوفة النابتة علي رأسه تشبه اكوام الخراب و الحطام و الأوساخ  النابتة علي وجه المدينة كشجرة مجنونة.
ميلاده كان حدثاً مهماً في حياتها لأنه قد وهبها اسما جديدا و هو أم جنى ، غير اسمها الذي نسيته من تكرار الانسطال. عشيقها اثناء تلك الليلة الماطرة  وُجِد ميتاً و قطعة القماش المبتلة بالبنزين تملأ فمه بالغضب. أسِفَت علي موته أسفاً شديدا لانه يذكرها بأمسية كانت فيها نظيفة ، عارية ، مبردة بمياه مجانية من الاعلي
و متدفئة بجسد حميم.
كبر  جَنَى و ماتت أمّه التي لم تاكل و لم تشرب كما هو مطلوب فقالت المدينة بصمت بارد:
ماتت سغيرة و جاهلة لا اكلت و لا شربت!!؟
ماتت سغيرة و جاهلة لا اكلت و لا شربت!!؟

كررت المدينة كلماتها التي اصبحت... مقولة دارجة .. و يعود ذلك  لأن  أم جَنَى ماتت عاضّةً علي قطعة القماش المتسخة المبللة بالنزين الذي  جف ليخلف الاخاديد علي شفتيها اليائستين من إنكشاف البلاء.
عاش جَنَى  برغم الموت الذي يهدد جولاته التي يجاورها العذاب و الركض.
مرت علي جَنَى  (كشاتٌ) كثيرةٌ يقوم بها الإريرات الكابسين.. عرف أنهم الإريرات.. لان الجميع يقولون إريرا   كَبَس.. إريرا   كَبَس... و يركضون فيفلتون!
كان عندما يراهم يتردد النداء .. إريرا   كَبَس.. إريرا   كَبَس ... إريرا   كَبَس حوله، من أي فمٍ حوله ،ثم  في ذهنه فيركض و يفلت و ينجو من خطر  هو لا يعرفه تماما.
هو فقط يغادر إلي طرقٍ أخرى هم  ليسوا بها، ينجو  لأنهم  لا يعرفون المكان و يجهلونه.



الكشة الأخير كانت مدهشة و غريبة !
أكمل جَنَى عامه السادس عشر فصار  طويلاً  و سريعاً لكنه لم يستطع الإفلات منهم، امسكوا به و زجوا به في دفّار عدواني، ثم إلي مكان كبير  فيه نوع غريب من الإريرات بملابس خضراء و قُبّعات خضراء، آخرين بملابس غبراء مبرقعة بلون بني و قبعات بنفس اللون.. اندهش جَنَى  من أحذيتهم الضخمة و رباطها الأطول من اللازم ، استغرب للحزام الكبير  ذو النهاية المعدنية الذي يلبسه الجميع فيحز  وسط الواحد منهم  فيبدو  كجوالٍ محشو  بالقمامة.
المكان فضاءٌ كبير تنتشر به غرف و مبان أخري  قبيحة وبه  كثير  من الضجيج ، يحمل هؤلاء الإريرارت  قطع سلاح  شاهد مثلها  في السينما.
لم يتكلموا معه كثيرا و لأن جَنَى لا يعرف كلامهم لم يهتم.
صُرِفَت له ملابس نظيفة و خضراء ، قبعة ، حزام و حذاء كبير  برباط أطول من اللزوم.
أُعطِي الطعام بصورة منتظمة.
أُجرِي له كشف طبي ربما للمرة الأولي في حياته و كان  لائقاً بحسب إفادة الطبيب المناوب.
تشاغل جَنَى  في أحيانٍ كثيرة بالنجوم  المعدنية الغريبة التي ترصّع كتفي أي ضابط منهم و بتلك الخطوط الحمراء القصيرة المنقوشة علي ياقاتهم فترتسم علي إثْر ذلك في وجهه ابتسامة مسطولة و باهتة.
استمرت إقامته في المكان الكبير لعدة ايام تعلم فيها:
قيام راقداً
إنتباه..........
صَفَا.........
تمام.........
تمام يا افندم...........
رمي قرانيت..........
ضرب نار............
حمل السلاح و تعلم استعماله. تم تسفيره من مكان التدريب إلي هناك  فإتخذ البؤس لونًا اخر، تعرف إليهم وعرفهم ، عرفوه و عرفوا أنه لا يعرف شيئًا عن هذه الأمور و كل الأمور الأخرى.
في ذلك المكان وجد نساء يشبهن أمَّه كثيراً فعرف من أين جاءت أم جَنَى.


Comments

Popular posts from this blog

MovieGlobe: Japan's Version of Romeo and Juliet

Romeo and Juliet (2007) JapanOriginal Article by: Fateh Mirghani-Japan

I have just finished watching the masterpiece of Shakespeare” Romeo and Juliet “in its Japanese version.
The quality of the movie is great and the soundtrack, injected with a little Japanese folklore music, has given it a sensational dimension and Eastern fascination!
Basically, the theme of the movie remains the same as the original play, and that has been a particular Japanese notion in dealing with other nations’ cultural products. Part of the reason may lay in Japan's sensitivity to other nations’cultural products- given the long standing historical disputes with its neighbours, and part of it may lay in a fierce sense of homogeneity that has come to characterize Japan as an island nation-state since time immemorial. Thus the Japanese, unlike the Americans, don’t seem to have the temerity to ‘Japanize’ others’ cultural stuff. The movie “Renaissance man”  can be cited as an example of American boldness. The …

Thursday Evening

Short Story by Ali Elmak* Translated by MM
Getting off the tram, he slipped. Was it the right or the left foot that skidded? It did not matter!  All that mattered really, all that he cared for at that hour, at that moment, was that he fell and soiled his pants. those characteristically beautiful white pants which he had preserved for Thursday evenings; for the soiree gatherings which started by hanging around in the market; loitering for short or long periods; then to the cinema house; any film and peace be upon him. Then, was this bad luck or what? Did he really need to take the tram for such a short distance? “That was a fair reward for your laziness” he said to himself. As for those pants, they were turned into a dusty colored thing. The more he shook those tiny particles off, the closer they became attached to the pants. Oh what a gloomy evening for you!  "Is this what concerned you?" thought he.

The posters of Alan Ladd and Van Heflin still stood their, at the cinema entrance.…

Movie Critic Review: Zorba The Greek (1964)

" All right, we go outside where God can see us better." Alexis Zorba "God has a very big heart but there is one sin he will not forgive; [slaps table] if a woman calls a man to her bed and he will not go. I know because a very wise old Turk told me." Alexis Zorba

--------------------------------
Zorba (Anthony Quinn) with a lascivious look lays the gentle order, 'Two beds Madam. Without bugs!' Mme Hortense defiantly tilts her head and answers proudly, 'Mme has not THE bugs!'



The bookish intellectual Basil  (Alan Bates) who has appeared unaffected by the collective vertigo experienced on the boat taking them to Crete, did not seem interested in this outward and stimulated first-time exchange between his newly-found companion, a robust natural philosopher named Alexis Zorbas and this old lady who rushed  to offer them her hospitality services in her own (Marriot) of a dilapidated house on this island of pathos and the poor. Mme Hortense then treats the c…