Sunday, 5 June 2016

!يا عم



طق، طق، طق.
شدّو فتح عيونو بصعوبة. نعسان استعدل في قعدته. بردان والسما برة العربية ماخدة اللون البنفسجي، الأحمر داك بين المغربية والليل.
طق، طق، طق.
في زول قال يا سيد وشدّو إتلفت، الزول دا واقف جنب العربية، ما أكتر من هيئة غبشا على خلفية الليل الداخل. شدو مد يدو ونزّل قزاز النافذة حبة بوصات. تثاءب وقال: هاي.
- إنت كويس يا زول؟ ولا عيان؟ كنت بتشرب؟
الصوت كان عالي، صوت مرة أو صبي.
- أنا بخير، دقيقة.
فتح باب العربية ومرق منها بيمط في عضلات يدينو وكرعينو الواجعاهو. بعدها فرك يدينو في بعض عشان يحرك الدم فيها وتدفأ.
- واو، أنت زول ضخم.
- بيقولو علي كدا، إنت منو؟
- أنا سام
- سام الولد ولا البت؟
- أنا بت. كان اسمي سامي وكنت بخت وجه ضاحك بين سام وحرف الياء، لكن بعد شوية لقيت تقريباً كل زول بيعمل كدا، فوقفتها.
- طيب يا بت الناس، كدي أمشي أقيفي هناك وخلي بالك للشارع.
- ليه؟ قاتل مجنون ولا حاجة؟
- لا. عايز أبول، عايز شوية خصوصية.
- لا، صاح. فهمتك. نو بروبلم. معاك في دي. أنا ما بقدر أعمل كدا لو في زول في الحمام ال جنبي. عندي مشكلة كبيرة بتاعت متلازمة المثانة الخجولة.
- طيب خلاص من فضلك.
البت مشت لجنبة العربية البعيدة وشدو مشى خطوتين ووقف جنب سياج مزرعة كدا وقام حل سوستة بنطلونه وبال على عمود خشبي متكول. بعدها مشى راجع للعربية. الواطة بقت ليل.
- إنتي لسع واقفة؟
- طبعاً. إنت عندك مثانة بحجم بحيرة تانا. ياخي ممالك سادت ثم بادت في الوقت الكنت بتبول فيهو. سامعاك الوقت دا كلو.
- شكراً، إنتي عايزة حاجة؟
- كنت داير أشوف انت كويس ولا مالك. يعني لو كنت ميت ولا حاجة كنت ح أتصل بالشرطة. لكن قزاز العربية كان عليه ضباب شديد فقلت إحتمال الزول دا يكون حي.
- إنتي بيتكم في الحتات دي؟
- لا. أنا بركب يا عم ماشه ماديسون.
- دي حاجة خطرة.
- لي تلاتة سنين بسوي كدا خمسة مرات في السنة وتراني عايشة. إنت ماشي على وين؟
- أنا ماشي لحدة كايرو.
- طيب شكراً. أنا ماشه ألباسو إجازة عند عمتي.
- ما بقدر أوديك لغاية هناك.
- ما ألباسو حقت تكساس، ألباسو التانية في إلينوي. كم ساعة كدا جنوباً. إنت عارف إنت وين؟
- لا. ما عندي فكرة. في مكان ما في هاي واي اتنين وخمسين.
- المدينة القدام في الطريق هي بيرو، ما ديك بتاعت أمريكا اللاتينية. ممكن أشم ريحتك. دنقر لي شوية.
قام شدو دنقر للبت عشان تشم وشو.
- أوكي. ما في ريحة شراب فيك. ممكن تسوق. أرح.
- الخلاك تتأكدي إني ح آخدك معاي شنو؟
- إني آنسة في وعسة. وإنت فارس في...، المهم. عربيتك وسخانة لكن. في واحد كاتب ليك في القزازالورا أديني غسلة.
ركب شدو العربية وفتح الباب اللي على يساره وطلع إنو العربية ما فيها نظام إنو النور يولع لما تفتح الباب. قام رد على قصة إنو في زول كتب في القزاز:
- لا مافي زول عمل كدا.
قامت البت ركبت وقالت ليهو:
- هو شنو؟ دا ما أنا ذاتي. أنا ال كتبت لما كان لسع في ضو.
دوّر شدو العربية وفتح الأنوار، واتجه على جهة الطريق السريع. قامت سام قالت ليهو من باب المساعدة:
- لف شمال.
لف شدو شمال وساق. بعد كذا دقيقة سخّان العربية اشتغل وعم العربية دفء جميل.
سام قالت:
- ياخي ما تقول حاجة.
- هل نحنا بشر؟ مخلصين للخير، أولاد مرا وراجل؟
- أكيد.
- أوكي. بس بتأكد. عايزاني أقول شنو؟
- حاجة تطمنّي في اللحظة دي. فجأة كدا داهمني إحساس (أوه شيت أنا في العربية الغلط مع زول مجنون).
- آي، الإحساس دا جاني قبل كدا، شنو ال بيطمنك؟
- بس قول هل إنت سجين هارب ولا قتال قتلة سفاح.
فكر شدو قليلاً وقال:
- تعرفي، أنا حقيقة ما النوع دا.
- لكن شكلك أديتا فكيرة كدا؟ موش؟
- حاكموني وقضيت المدة لكن ما كتلت زول.
- يا الله!
دخلوا مدينة صغيرة مضاءة بمصابيح في الشوارع، وفيها لمبات الكريسماس تفتح وتغمض وشدو أخد نظرة على يمينه. البت كان شعرها أسود، قصير، متشابك ووشها كان جذاب، وفي نفس الوقت، قرر شدو، إنو فيهو شيئ من الرجولة وملامحها ربما اتنحتت من ضخرة. وكانت هي بتعاين ليهو.
- كنت في السجن مالك؟
- عوّقت لي نفرين شديد، زعلوني.
- وكانو بيستحقو كدا؟
شدو فكر وبعدها قال: دا كان رأيي وقتها.
- بتعمل كدا تاني؟
- يا زولة لا. أنا فقدت تلاتة سنين في السجن.
- أممم، إنت فيك دم هنود حمر؟
- ما بعرف.
- شكلك كدا بس.
- آسف. خذلتك.
- ما في مشكلة. إنت ما جيعان؟
- ممكن آكل.
- بعد إشارتين كدا في محل كويس. أكل كويس ورخيص.
ركن شدو عربيته في موقف السيارات. نزلوا من العربية وما إهتم يأمن أبوابها لكنه وضع المفتاح في جيبه. مرق شوية فكة من جيبه عشان يشتري جريدة. قام سأل سام:
- بتقدري على تكلفة محل زي دا؟
- نعم، 
ورفعت حنكها وقالت:
- بدفع لي روحي.
قام شدو هز راسه وقال ليها: أقول ليك حاجة؟ ما نعملا طرة وكتابة. لو وقعت ليك طرة تدفعي لينا الإتنين لو وقعت ليك كتابة عشاك عليّ.
قالت ليهو بطريقة كأنها شكت فيه:
- بس لكن أشوف العُملة في الأول، النحاسة. أنا عمي كان عنده ريال الجهتين فيهو كتابة.
عاينت القطعة المعدنية وتأكدت إنها سليمة. قام شدو وضع القطعة وجنبة الصورة فيها هي الظاهرة على إبهامه، وغش في الرمية فقامت القطعة إتأرجحت كأنها لفت، وقام قبضها وقلبها على باطن يدو الشمال وكشفها بيده اليمين قدام سام. فقالت سام بسعادة:
- كتابة، العشا عليك.
- صاح، ما ممكن الواحد يفوز في كل المرات.
طلب شدو رغيف محشو باللحم، وطلبت سام لازانيا.
قلّب شدو الجريدة عشان يشوف هل فيها أي خبر عن نفرين ماتوا في قطر بضاعة. ما لقى خبر، القصة الوحيدة الملفتة كانت موضوع الغلاف في الجريدة المحلية، إنو البلد موبوءة بغربان بأعداد قياسية. وإنو المزارعين عايزين يعلقوا الغربان الميتة في المباني العامة عشان يخوّفوا الغربان الحية. وعلماء الطيور قالوا ليهم دا ما ح ينفع لأنو الغربان الحية ببساطة ح تقوم تأكل الغربان الماتت. لكن الأهالي مصرين إنو لما يشوفو جثث أصحابهم، بحسب رأي ناطق عنهم، الغربان ح تعرف إننا ما عايزنهم هنا.
جابوا الأكل في صحون مليانة وبوخها يلوي، أكل كتير.
سام وهي خشمها مليان أكل قالت:
- أها كايرو فيها شنو؟
- ما عندي فكرة. جاتني رسالة من المدير قال لي عايزنك هناك.
- إنت شغلك شنو؟
- مراسلة
إبتسمت.
- غايتو إنتو ما مافيا، ما شكلكم كدا، شوف العربية الخرا الإنت سايقها دي. ليه عربيتك فيها ريحة موز؟
هز كتفه وواصل أكل. سام قامت ضيقت عيونها وقالت:
- تكون مهرب موز. ما سألتني انا بشتغل شنو لي هسع.
- خمنت إنك لسع في المدرسة.
- جامعة وسكونسن، ماديسون.
- حيث، بلا شك، تدرسين الفن والتاريخ والدراسات النسوية وإحتمال تكوني بتصبي بيدينك جوائز برونزية، أو تكوني شغالة في قهوة عشان تغطي الإيجار.
سام رمت الشوكة ونفخت نخرينها وسألته:
- في نيكة شنو بتعمل كدا؟
- شنو مالك؟ عارفك ح تقولي إنك بتدرسي الادب واللغات وعلم الطيور.
- يعني عايز تقول إنو داك كان تخمين محظوظ أو حاجة.
- شنو هو؟
عاينت ليهو بعيون داكنة وقالت:
- إنت زول غريب يا سيد...، إسمك ذاتو ما عارفهاهو.
- بيقولو لي شدَو
عوجت خشمها بإمتعاض، زي ضاقت ليها حاجة ما بتحبها. سكتت وحنت راسها وخلصت اللازانيا.
- عارفة ليه سموها مصر؟
- على جهات كايرو؟ نعم. لأنها واقعة في دلتا نهر أوهايو ونهر المسيسبي، زي كايرو ال في مصر، في دلتا نهر النيل.
- كلام عقل.
استرخت في جلستها وطلبت قهوة وفطيرة بكريم الشوكولاتة. وإتخللت شعرها الأسود بيدها.
- إنت متزوج يا سيد شدو؟
بعدها وهو متردد قالت:
- أمك، دا سؤال تاني محرج، موش؟
- دفنوها يوم الخمس الفات دا
اختار كلماته بعناية: ماتت في حادث سيارة.
- يا الله، يا يسوع، أنا آسفة.
- أنا ذاتي.
مرة لحظة مشاترة كدا
- أختي بت أمي برضو فقدت ولدها، اللي هو أنا خالتو، نهاية السنة الفاتت. حاجة صعبة.
- نعم، مات بي شنو؟
شفطت شوية من قهوتها
- ما عارفين. ما عارفين إنو مات ذاتو. أختفى. لكن كان عمره تلتاشر سنة بس. عز الشتا الفات. الحاجة دي دمرت أختي جد.
- ما في أي، أي أدلة؟
شدّو بقى شكلو زي شرطي في مسلسل تلفزيوني. قام حاول تاني:
- هل شكوا في أي لعبة قذرة؟
ودي كانت العبارة الأسوأ.
- هم شكوا في نسيبي اللي هو أبوهو. كان قنيط بما يكفي إنو يسرق ولده. إحتمال يكون عملها. لكن دا حصل في مدينة صغيرة في الغابات الشمالية. مدينة جميلة وحتيتونة كدا، ناسها ما كانوا بيتربسوا أبواب بيوتهم.
شالت سام نفَسها وهزت رأسها. مسكت كباية القهوة بيدينها الإتنين.
- إنت متأكد إنك ما فيك شي من الهنود الحمر؟
- ما حاجة بعرفها كدا يعني. ممكن. ما عرفتا كتير عن أبوي. وأظن أمي كانت ح تكلمني عنو لو كان هو من الأمريكان الأصلانيين. إحتمال.
وعوجت خشمها تاني، وزهجت من باقي الفطيرة. الفطيرة كانت بحجم نص رأسها. دفرت الصحن ناحية شدو.
- عايز؟
ابتسم وقال ليها أكيد. قام خلص على باقي الفطيرة.
الجرسونة مدت ليهم الشيك وشدّو دفع.
- شكرا، قالت سام.
الجو إبتدأ يبرد شديد. العربية كحت مرتين قبل ما تشتغل. ساق شدو راجع للطريق السريع.
- حصل قريتي لي زول إسمو هيرودوتس؟
- يا ساتر. ليه؟
- هيرودوتس. حصل قريتي كتابو تواريخ؟
- لا كدي تعال،
قالت بطريقة حالمة
- أنا ما قادرة أفهمك. ما بفهم طريقة كلامك. في لحظة كدا شكلك زول جهامة وغبي، ال بعديها إنك بتقرأ مخي المنيوك دا، والبعديها أنحنا بنتحدث عن هيرودوتس. ف شنو؟ لا ما قريت ليهو. سمعت بيهو جايز في الراديو القومي، موش ياهو ال بيقولو عليهو أبو الكضب.
- أفتكر داك الشيطان.
- آآي داك ذاتو كمان. لكن سمعت إنو قال إنو هناك نمل عملاق ووحوش بتحرس مناجم دهب، وقالوا كلامو كله طلع تلفيق.
- لا ما أظن. هو كتب الحاجات اللي قالوا ليهو أكتبها. يعني زي هو كتب التواريخ بس. بعدين هي تواريخ جيدة جداً وفيها شحنات من التفاصيل الغريبة، يعني مثلاً هل تعلمي زمان في مصر لو ماتت بت جميلة أو زوجة زول مهم، ما كانوا بيرسلوها للتحنيط إلاّ بعد تلاتة أيام. بيخلوا الجثة تبوظ في الحر.
- ليه؟.....دقيقة، دقيقة، أنا عارفة ليه. حاجة مقرفة.
- وفي التوريخ دي معارك، وكل الحاجات العادية. وبعدين في الآلهة. واحد يجي جاري عشان يكلم الناس بأخبار المعركة، يجري ويجري يقوم يشوف الله في فسحة والله يقول ليهو قول ليهم يبنوا لي معبد هنا، يقوم يقول ليهو سمح ويجري ويجري وبعد ما يقول ليهم أخبار المعركة شنو يقول ليهم بالمناسبة الله عايزكم تبنوا ليهو معبد، حاجات أمر واقع كدا.
- طيب في قصص فيها آلهة، إنت بتحاول تقول شنو؟ إنو الناس ديل كانو بيهلوسو؟
- لا، ما كدا.
قعدت تأكل في أضافرينا وبعد داك قالت:
- أنا قريت شوية كتب كدا عن الدماغ. زميلتي في الغرفة كانت عندها الكتب دي وحايمة بيها في الغرفة. يعني زي قبل خمسة ألف سنة الفصين ال في الدماغ ديل قاموا إتلحموا مع بعض. قبل دا كان الناس فاكرين إنو لما الفص اليمين يقول حاجة معناها دا صوت إله بيوريهم يعملوا شنو. قصة عقلية يعني.
- أنا بفضل نظريتي أنا.
- شنو نظريتك؟
- إنو الناس زمان كان مرة مرة بتصادفهم آلهة في الطريق.
- أيوااااا!
ونزل عليهم صمت، صوت العربية بس هو المسموع، المكنة بتنوني، والعادم بيعوعي وصوتو ما صوت صحة ، وبعدها:
- تفتكر هم لسع هناك؟
- هناك وين؟
- اليونان، مصر، الجزر، الحتات ديك. تفتكر لو حمت في الحتات ديك ح تشوف آلهة.
- جايز. لكن ما أظن الناس ح يكونوا واعين إنو دا هو الشافوهو.
- أراهنك؟ ح يكون شكلهم زي جايين من الفضاء كدا. على أيامنا الناس بتشوف أغراب من الفضاء وزمان كانوا بيشوفو آلهة. إحتمال الفضائيين جايين من الفص اليمين للدماغ.
- ما أعتقد إنو الآلهة عملت مجسات شرجية، أو قتلت مواشي بيدها، بتكون سخرت ناس عشان يعملوا كدا.
قرقرت.
مشوا مسافة في صمت، بعدها سام قالت: إنت عارف دا بيذكرني بقصة الإله المفضلة عندي، من الأديان المقارنة واحد قصاد واحد، عايز تسمعها؟
- أكيد.
- طيب دي واحدة عن أودين. إله النرويج والحتات ديك، عارف؟ كان في ملك من الفايكنج على سفينة من الفايكنج، وواضح إنو دا كان في زمن الفايكنج، حصل ليهم إنو سفينتهم وقفت لعدم وجود رياح، أصابتهم حالة سكون في البحر. قام الملك قال طيب كويس أنا ح أضحي بواحد من رجالي لأودين لو رسل لينا رياح توصلنا لي أهلنا. أها جات الرياح ووصلوا للبر. الزول الوحيد الإتفقوا إنو يضحوا بيهو هو الملك ذاتو. القصة دي ما عجبتوا، زعل، قاموا قالوا ليهو إنها ح تكون مسألة شكلية وما ح تتأذي. فجابوا مصران حمل ولفوهو حوالين رقبتو وربطوا الطرف التاني في فرع لين وقاموا شالوا قصبة بدل حربة وقعدوا يشكوهو بيها ويقولوا ليهو أها خلاص شنقناك، ضحينا بيك لأودين.
الطريق بقى فيهو إنحناءة، وظهرت مدينة تانية، سكانها تلتمية نسمة، موطن الفائز بالموقع التاني في بطولة الولاية للتزلج السريع لما دون الإتناشر سنة. بها صالونين لتحضير الجنائز من نوع الحجم الإقتصادي الضخم. إتنين كل واحد في جنبة من الطريق. شدّو فكّر، مدينة سكانها تلتمية زول عايزة كم صالون تحضير جنائز.
- أها أول ما جابو أسم أودين دا في لسانهم إتحوّلت القصبة لحربة وطعنت الراجل في صفحته ومصران الحمل بقى حبل تيل، الفرع اللين بقى فرع رئيسي والشجرة بقت تسحب لي فوق والأرض تميد وبقى الملك معلق هنااااك بيموت ودموا نازف من صفحته ووشو أسود. الناس البيض ديل عندهم شوية آلهة متناكة بجد، يا سيد شدّو.
- صاح. إنتي موش بيضاء؟
- أنا شيروكي.
- دمك كلو؟
- لا. لترين بس. أمي بيضاء. أبوي كان هندي من النوع الحقيقي بتاع المحميات داك. جا ماري بي هنا، وآخر مطافه إنو إتزوج أمي وجابني. لما أختلفوا رجع أوكلاهوما.
- رجع المحمية؟
- لا. استلف قروش وفتح تاكو بال، عايز ينافس تاكو بيل. ماشي كويس. ما بريدني، بقول علي هجين.
- حاجة مؤسفة.
- فاكا منو. أنا فخورة بي دمي الهندي دا. بيساعدني في قروش المدرسة، إحتمال ذاتو بسببو ألقى لي وظيفة يوم، لو ما قدرت أبيع البرونزيات بتاعتي.
- في حل زي دا دايماً.
وقف شدّو في ألباسو، إلينوي، أتنين ألف وخمسمية نسمة، عشان سام تنزل قدام بيت في حتة منحدرة من طرف المدينة. كان قدام باحة المنزل الأمامية تمثال كبير، قايم على إطار سلكي، لحيوان الرندير أو الأيل، مكلل بأنوار متلألئة.
- عايز تخش معاي؟ عمتي ح تعمل ليك قهوة.
- لا. لازم أواصل.
إبتسمت ليهو وبدت فجأة ولأول مرة قابلة للإيذاء. مدت يدها وضربته على يده وقالت:
- إنت شكلك أمورك جايطة يا سيد، لكنك ظريف..
- أفتكر دا ما يسمونه الحالة الإنسانية. شكراً لرفقتك.
- نو بروبلم. لو لاقتك أي آلهة في طريقك لكايرو، ضروري تقول ليها هاي مني.
نزلت من العربية ومشت لباب البيت. ضغطت على الجرس وانتظرت فترة بدون تعاين وراها. إنتظر شدّو لغاية ما الباب اتفتح وشافها دخلت سالمة، بعد داك وضع قدمه لتحت وإتجه نحو الطريق السريع.
-------------------

لمحة من حكاوي أمريكية باللغة السودانية.

Sunday, 22 May 2016

في شان شوق الدرويش



في شان (شوق الدرويش)
الطريق إلى الحقيقة يمر بأرض الوساوس
(1)

هذه بعض أفكار حول الاستراتيجية التأويلية التي استخدمها في مقاربة رواية (شوق الدرويش) للروائي السوداني حمور زيادة. وغني عن القول أن هناك استراتيجيات لا حصر لها. ومن المعلوم أن القراء يختلفون في كيفية تلقيهم للنص الواحد. وأن النص نفسه، أي نص، يضع قيوده أمام التأويلات المحتملة له. فما هي القراءة التي يأذن بها نص حمور زيادة؟ وماذا فعل زيادة في نصه مما يقلل أويزيد من فرص التأويلات؟ وبإسلوبي أنا كيف كتب حمور زيادة قصته؟ وماهي (الماكينة) التي امتطاها؟
إنها نفس ماكينة الرد على الامبريالية والاستعمار التي تعلي من شأن الانسان المستعمَر ولكن بمردود أقل كثيراً من أمثالها من روايات سبقت. استخدم زيادة في روايته تكنيك الراوي العليم المطعّم بآلية الاسترجاع flashback. ولذلك فإن صوت الراوي، الذي لا وجود له كشخصية في الرواية، يبدو قوباً وذاتياً. إذ يلاحظ القارئ أن كثيراً من الأفكار تأتي كما لو أنها صدرت عن ذهن الراوي. وهذا عيب من عيوب التكنيك نفسه وليس من المؤلف. من عيوب تكنيك الراوي العليم أيضاً أن المؤلف هو (إله) النص ومخلوقاته ويملك الانتقال من رأس هذا لرأس ذاك كما يشاء ولكن على حساب رأس القارئ، فيدوّشه. وهنا أكتب لك بنفس رطانة زيادة نفسه حين يكتب، وتلك قصة أخرى. وعيب ثالث في هذا التكنيك، وجهة نظر الراوي العليم، هو أن المؤلف يكون في موقع تقديم عرضحال أو بمثابة كاميرا. فهو لا ينقل المشاعر بشكل جيد وهذا لا ينفع، خصوصاً حين يتعلق الأمر بقصة حب وسنتطرق لهذه العلاقة لاحقاً. وجهة نظر الراوي العليم كثيراً ما تقلل من حماس القارئ لأنه مطمئن لأن القصة تحت يدي (ملك قدير) هو المؤلف لذلك قد لا يسهل على صاحب القراءة الواحدة أن يلاحظ أن القصة الرئيسة في الرواية ضامرة وغير مقنعة. والمحصلة أنك تلتهم الكتاب سريعاً لتبدأ في السؤال عن قيمة ما قرأت فيما بعد. وهذا الجزء يخص أصحاب الرؤية النقدية دون غيرهم من القراء.
(2)
الحديث عن أدب مابعد كولونيالي وما أدراك، أو عن الرد الابداعي على أعمال روائية مكنت للاستعمار أو مجدت دوره، وما أدراك. كل هذي تبدو، أحياناً، مجرد ذرائع للبحث عن مكان نضع فيه الأعمال الأدبية كما وأنها تؤكد جاذبية، هذا
النوع من الانتاج المضاد، للأوساط المعنية برواج الأدب ول(ناس) الأكاديميا. السؤال المهم بالنسبة لي هو: هل يأذن نص حمور زيادة بقراءة له تضعه كسردية ذات قيمة أدبية عالية وذات رسالة كونية؟ أم هو يأذن بقراءة له فيها تأبيد لوجهة النظر السالبة عن السوداني بشكل خاص وعن، الأفريقي، الأسود بشكل عام؟ وما أحوجنا لسردية سودانية خالصة. وأنا لم أقرأ كثيراً من الروايات السودانية. لكن هذه الرواية فيها هذه الميزة وهي فتح الشهية لروايات تحوي سرديات سودانية وتفاصيل حياتية تحفظ وجودنا للأجيال القادمة.
(3)
رواية (شوق الدرويش) مليئة بالوقائع وبها داتا وفيرة فهي تدور في أكثف لحظات التاريخ السوداني، المهدية وسنواتها وما قبل الانكسار وضياع صورة الثائر التي لمعت في آفاق السودان. ولقد استخدم زيادة كل هذا الزخم بذكاء، لمصلحة خطابه الذي تحاول هذه السطور أن تستجليه، بحيث أتى أغلب ما ذكره في روايته من قبيل المعلوم لكل قارئ للتاريخ. ولقد أسكن مشروعه الروائي كخيط واهن في ثلة من خيوط أحسنت نسجها الثورة المهدية وصارت تاريخاً حتى عند غير السودانيين. ولكن خيطه هذا، على ضعفه، لم يخلُ من أصوات لها أصداء تبث من داخل الرواية وهي الاصوات التي سأتناولها في خاتمة هذا المقال الصغير.
قصة الحب الرئيسة في الكتاب لم تضعفها مجرد آلية الراوي العليم التي لا تنفع في بلورة المشاعر، كما أسلفنا، بل هي قصة محكوم عليها من قبل الكاتب نفسه. فهو يحكيها بقدر من العاطفية يفترض هو أنه لابد موجود عند القارئ. وما استعادات المؤلف لبعض أقوال بطل قصة الحب بخيت منديل سوى ضرب من إقناع القارئ بنبر وجدية الحكاية. وقصة الحب ضامرة لأن بطليها ساكنان لا تحركهما لا الإرادة ولا الأحداث. فبخيت لم يتطوّر وعيه كإنسان ليكلل قصته بالنجاح رغم أنه حفظ القرآن (ولا ندري من الرواية أين تعلم القرآن) ورغم أنه خالط أناس أفندية وأشباه فلاسفة في السجن ورغم أنه تعلم الانجليزية على يد حبيبته ثيودورا. وقصة الحب ضامرة لأن ثيودورا نفسها لم تتطوّر شخصيتها رغم أنها وعت لحقيقة أنه ربما كان مصيرها أن تعيش في واقع (حبيبها) وبدا أن صلتها بمصر واليونان قد انقطعت. فكان عليها أن تغادر حالة الوجود كعبدة لتلتحق بحبيبها العبد، الذي لا سيد له، فيغدوان حبيبين لا سيد لهما وتتحقق لهما غايات مفهومة عن الرباط الزوجي والمسئولية.

(4)

إختار حمور زيادة بطلاً لقصته انساناً رقيق الحال من جميع النواحي. فهو عبد تائه لا سيد له ولا انتماء. لا يعرف أصله ولا تؤثر فيها الأحداث. بل حتى المرأة التي قتل خمسة أو ستة رجال من أجلها وصفته بأقذع الأوصاف. فهل هو مثال للإنسان السوداني في ظرف التحوّلات الكبير ذاك والتدخلات الطامعة في بلاده؟ إن بخيت منديل هو من أسوأ الشخصيات التي يُقال عليها نقيض البطل أو الantihero. وهو ليس فقط عاطلاً عن أخلاق العامة بل هو أيضاً جبان لم يقتل أولئك الرجال إلاّ بقدرة الخلق الروائي. يقول صاحبه إدريس لثيودورا في وجوده: "لا تسمعي هذا الجبار. لن يفعل شيئاً. ليس له قلب يقتل. لو رأيتيه يلقي سلاحه أول ما أحاط بنا الكفار في أسوان لعلمتِ". وبخيت الجاهل، بحكم نشأته كعبد ثم كإنسان لا منتمي إلاّ اسمياً لما يدور في مجتمعه، هو الذي يقول لثيودورا حين سنحت له أول فرصة: "من أية بلاد تسكنها الملائكة أنت؟" هكذا يخاطب بخيت المرأة الراهبة التي أحبها من أول نظرة رغم كرهه للبيض. فالمؤلف لا يكترث كثيراً من أن يضع مثل هذه العبارة ذات الحمولة الثقافية العالية وغيرها على لسان بطل القصة بخيت. وفي لحظة أخرى يقول بخيت في معرض خطابه لثيودورا: "الحب هو كل ما نملك. من طلب الله وجده في الحب....ومن طلب الشقاء وجده في الحب." وكانت تلك كلمات تعلمها بخيت من سيده المصري يوسف أفندي سعيد. وكذلك من عظم المعارف التي اختص بها المؤلف هذا البطل غير المؤهل لها فإنه يعرض علينا براعة بخيت في تحويل سنة هجرية للسنة معادلتها في التاريخ الميلادي عقلياً وهي عملية يعجز عنها المتعلم من خريجي المدارس ولا ندري كيف يتوفرعليها انسان بسيط ومغلوب على أمره مثل بخيت منديل.على أن إكتشاف مصادر بخيت منديل في معارف كهذه هو في الأصل غاية هذا المقال. إذ أن مبحثي يتمحوّر حول قضية التعبير عن الانسان السوداني، والجهد الابداعي الذي يتوخى إعلاء صورة السوداني أو الكتابة بصورة توكيدية لقضاياه. فبخيت كغيره من السودانيين نهل من المعرفة التي أتاحتها ظروف التحوّل، سواء قسراً أم طوعاً. لكن بخيت له مصادر أخرى وإن كانت ضعيفة مثل تجربته في الحوارات داخل سجن الساير التي لا يعوّل على فائدتها التعليمية أو التثقيفية وهي لهذا جاءت فاترة لا تميزها سوى السخرية من الأحوال أو خطرفات المغربي مدعي النبوة. وإزاء هذا الوضع لجأ المؤلف، بذكاء، لتطوير معارف بخيت، بطل القصة، من خلال إنشاء علاقة له بسيده المصري يوسف سعيد. والملاحظ هنا أن المؤلف لم يفصح عن ديانة يوسف سعيد ولا أظن أن هذه النقطة أتت عفوية. إذن بخيت السوداني سيتعلم من يوسف سعيد المصري.
لكن حتى هذه الفرصة لتطوير معارف بخيت كأداة لبناء شخصية رئيسة في الرواية أتت أشبه بالكاريكاتير المعرفي. لأن بخيت وجد عند يوسف سعيد مكتبة
ولكنه طبعاً لم يقرأها بل قرأ عناوين الكتب، وهي كتب شهيرة، على أرففها. وطبعاً هذه واحدة من عادات الروائيين، أن يدخلوا بك في منزل ويستعرضوا معك الكتب وأسمائها ولا غبار على ذلك. كذلك فإن يوسف سعيد اكتشف وسيلة عبقرية لتعليم
السوداني، وهي تحفيظه الشعر العربي من خلال مطارحات شعرية. ولقد انزعجت جداً لتخلي المؤلف عن وصف هذا النوع من الألعاب السائد عندنا بالمطارحة الشعرية واصراره على انها مذاكرة وإن كان هذا الوصف صحيحاً في مجتمعات أخرى. وعند هذه النقطة على ضآلتها تذكرت أن أحدهم قال إن الرواية أصلاً مكتوبة لقارئ غير سوداني. وبالتأكيد أنا لا أوافق على هذا الرأي وهو مجرد خطرفات.
وفي أحد حوارات بخيت مع معلمه المصري يدور الحوار التالي:
بخيت: نحن جند سيدي المهدي عليه السلام
يوسف أفندي: هذا درويش كذاب. لقد أحسنت إليكم مصر. حكمناكم بما يرضي الله. كنا نكرم سادتكم وشيخ قبائلكم لكنكم لا
تردون المعرف بخير.
انتهى الحوار.
وبخيت كاذب هو الآخر، لأنه ذهب في حملة النجومي هرباً من الجوع وليس لأنه درويش. ولعل زيادة قد لاحظ هذا هونفسه فخرج على الناس بدعوته لأن يضع القارئ عينيه على حسن الجريفاوي، ربما لأنه هو الدرويش الحقيقي. وسنجد فرصة لاحقة في التعليق على مسألة تهميش المؤلف للشخصية الهامة لحسن الجريفاوي وكذلك تهميشه لمريسيلة. ويقول المصري الذي هو نفسه مغلوب علي أمره لبخيت: "يا سوداني أنتم ناكرو جميل لا غير. بلاد السودان في خير حال تحت الحكم المصري. لكنكم مهاويس دين." وهذا حديث المصري عن تحوّل ثوري طرد الأتراك وتوابعهم من المصريين وقاوم الانجليز فما هو رد السوداني؟ لم يرد.
وطبعاً لا يستطيع أن يرد. وهذا اختيار المؤلف.
(5)
قلت إن الراوي جعل أهم مصادر معرفة بطله بخيت منديل هي أحاديث سيده المصري. وسأستخدم الراوي أو المؤلف بإعتبارهما وصفين يمكن تبادلهما interchangeable للدلالة على نفس الشخص. واللافت أن الراوي كان من الذكاء بحيث أنه ترك مصدر هذه المعارف، وعلى رأسها معرفة الحب، بلا تحديد لهويته الدينية. فهو محض مصري. فإسمه اسم مسلمين واسم زوجه وإلخ ولكنه يبّشر بالحب وهو مبدأ مسيحي، الله محبة وما إلى ذلك. وقد يلاحظ القارئ أن المؤلف زيّن روايته بالعديد من الآيات القرآنية وكذلك الآيات الإنجيلية بشكل ربما راعى فيه نوعاً من التوازن. فهو يشير لجمهور معيّن بالتأكيد من ما سنشرحه وفق القراءة التأويلية التي نعتمدها.
وفي السردية الكلية نفسها فإن هناك سرديات داعمة تحكي عن بعض شخوص الرواية مثل السردية عن ابراهيم ود الشواك أو السردية الأطول عن الحسن الجريفاوي أو السردية عن الطاهر جبريل. كل هذه السرديات الداعمة للسردية الرئيسة عن بخيت وثيودورا، هي سرديات سالبة في مردودها وتنتهي نهايات سالبة مثل سردية ابراهيم ود الشواك أو لا تنتهي مثل سردية الجريفاوي ولكن السردية الوحيدة التي تبدو مشرقة هي سردية حياة بخيت القصيرة مع سيده المصري.
فما هي قصة مصر في هذه الرواية؟
ما هي حقيقة الاستملاح التي أشار لها البعض في هذا الصدد؟ كيف يفوز المرء بهذا الاستملاح من المصريين؟
تقول دروتا في مطلع الرواية عن السودانيين: ليس فيهم سحر المصريين.
ثم تمضي الرواية لتصف الجيش الغازي للسودان الذي قاده كتشنر أنه "الجيش المصري الغازي" ص 54 وتتحدث عن "دخول جيش المصريين" ص 455. وهنا صحة المعلومة التاريخية غير مهمة لأنه معروف أن الجيش لم يكن قوامه
المصريون وحدهم ولم تكن قيادته مصرية بل بريطانية و إن أهم كتائبه كانت بريطانية محضة ولكن ايراد صفة أنه الجيش المصري تقع ضمن تأليف المؤلف. وإرادة المؤلف في هذا الشأن تنسجم مع كيفية عمل النبيطة أو ال device أو الماكينة التي إعتمدها. وهي نبيطة لانها مستنبطة أو مستخرجة. فالنبيطة التي تحرك العمل الروائي كانت قد نجحت كثيراً من قبل. إنها نفس النبيطة التي استخدمت من قبل الطيب صالح وعند أشيبي وع الرحمن منيف وازابيل أليندي وغيرهم. فهي ماكينة حركية تعمل في توافق مع متطلبات مراكز النشاط النقدي الأكاديمي. ومن تروسها القضايا الكبيرة مثل الهوية والصراع مع الاستعمار وابراز ثنائيات بعينها يهتم بها النقاد وإنك لواجد في أغلب الأعمال التي فازت بالجوائز أنها تشتغل على الاستلاف من التاريخ أو تطرح قضايا كبيرة. وقد قر عند الكثير من الكتاب أن هذه النبيطة device تضمن للعمل الأدبي رواجه وربما تضمن له العالمية. والعمل وفق ترسيم محدد للعمل الإبداعي بحيث (مايخرش ميّه) هو عمل لا حرج فيه لأن الفعل الروائي هو نفسه نشاط واعٍ. ولكن يبقى السؤال حول عمق الأعمال التي يكتبها أصحابها بمثل هذا الوعي بالرواج. ويبقى السؤال عن اهلية العمل لكي يعتمد كسردية كبرى، يرجع لها الناس من حين لآخر.
(6)
من المهم التفريق بين الحبكة plot والنبائط devices فيما يخص العديد من الروايات التي استطاعت أن تلامس أنشطة النقد واتجاهاته، وتجد مكاناً مرموقاً لأنها ذات مضامين themes قيد البحث والتمحيص الأبدي. وأبدي هنا مقصودة وليس هناك typo لكلمة أدبي. وسبق لي أن كتبت مقالاً يحاول معرفة مصادر الأديب الراحل الطيب صالح في رواية موسم الهجرة للشمال تطرقت فيه لفكرة النبيطة وأنها حقيقة أدبية بدليل أن آخرين عدا الطيب صالح توصف أعمالهم بأن بها نبيطة أو device مثل روايات عبد الرحمن منيف أو بعض الكتاب الأفارقة. ودعني أتحدث قليلاً عن النبيطة لأنني أستخدمها في هذا التأويل. فقد قلت إنها من الفعل نبط واستنبط وهي ترجمة معتمدة لكلمة device في مجالات أخرى كمجال الالكترونيات، ولكنها يمكن أن تعمل نفس ما تعمله في المجالات الأخرى. فهي حياكة مضامين بعينها وتضمينها في النص الروائي، مثل مضمون الغربة أو الإغتراب. الصراع مع الأجنبي أو قضايا التحرر والنكوص، الصراع الديني إلخ. وتقوم النبيطة بتفعيل الحبكة و(توصيلها) لمآلاتها. ويقع هذا في الرواية كغطاء فكري يضم بداخله التشخيص والأسلوبية إلخ من أدوات العمل الروائي. الحبكة في
الرواية المعنية هنا لا بأس بها كحبكة ولكنها، كما عبّر آخرون، لا تنتج متعة للقارئ ولا يمكن أن يعتد بها كسردية هامة لأن فيها اجترار واضح للتأريخ وإمتثال للتنميط الفج stereotyping. لقد اختار الكاتب أن يصوّر لنا جوانب من حياة بعض الشخوص محصلتها النهائية أن الانسان السوداني يحتاج بصورة دائمة لمعونة الآخر الأجنبي، أو أن السودان هو (أمة متخيلّة)، بتعبير من تعابير ادوارد سعيد، لا وجود حقيقي لها. وهذا صوت.
إن الأصوات في الرواية بحسب إملاءات النبيطة المعتمدة لكثيرة. هناك صوت يمّجد غردون باشا وفيه عدم صحة في القول بإن غردون حكم السودان مرتين.* وآخر يشتم السوداني بلون سحنته. وصوت رابع يدعو للكراهية بين الأديان. لكن الصوت الملفت بحق هو صوت مصري. وهو صوت حقيقي، بمعنى أنه الصوت القوي الموروث من الإمبريالية التركية والذي لا يفتأ يعلو في سماء مصر حتى أمسنا القريب. فالرواية بشكل ما فيها تعزيز لوجهة النظر المصرية، التي لا زالت للأسف خديوية. وبالتالي هي بعض عُدة من يخدمون مشروع تفتيت السودان أو عودته للرضوخ الثقافي الفكري لمصر.
وبهذا يمكنني أن لا أوصي بقراءة الرواية، أو أوصي بإهمالها لأنها سامّة.
ويبقى أن هذا تأويلي الشخصي الذي لا يشاركني فيها أحد.

انتهى

* معلومة أن غردون حكم السودان مرتين صحيحة بحسب تصويب من الأستاذة آمنة مختار.

  • إقرأ موضوعاَ ذا صلة