Sunday, 22 May 2016

في شان شوق الدرويش



في شان (شوق الدرويش)
الطريق إلى الحقيقة يمر بأرض الوساوس
(1)

هذه بعض أفكار حول الاستراتيجية التأويلية التي استخدمها في مقاربة رواية (شوق الدرويش) للروائي السوداني حمور زيادة. وغني عن القول أن هناك استراتيجيات لا حصر لها. ومن المعلوم أن القراء يختلفون في كيفية تلقيهم للنص الواحد. وأن النص نفسه، أي نص، يضع قيوده أمام التأويلات المحتملة له. فما هي القراءة التي يأذن بها نص حمور زيادة؟ وماذا فعل زيادة في نصه مما يقلل أويزيد من فرص التأويلات؟ وبإسلوبي أنا كيف كتب حمور زيادة قصته؟ وماهي (الماكينة) التي امتطاها؟
إنها نفس ماكينة الرد على الامبريالية والاستعمار التي تعلي من شأن الانسان المستعمَر ولكن بمردود أقل كثيراً من أمثالها من روايات سبقت. استخدم زيادة في روايته تكنيك الراوي العليم المطعّم بآلية الاسترجاع flashback. ولذلك فإن صوت الراوي، الذي لا وجود له كشخصية في الرواية، يبدو قوباً وذاتياً. إذ يلاحظ القارئ أن كثيراً من الأفكار تأتي كما لو أنها صدرت عن ذهن الراوي. وهذا عيب من عيوب التكنيك نفسه وليس من المؤلف. من عيوب تكنيك الراوي العليم أيضاً أن المؤلف هو (إله) النص ومخلوقاته ويملك الانتقال من رأس هذا لرأس ذاك كما يشاء ولكن على حساب رأس القارئ، فيدوّشه. وهنا أكتب لك بنفس رطانة زيادة نفسه حين يكتب، وتلك قصة أخرى. وعيب ثالث في هذا التكنيك، وجهة نظر الراوي العليم، هو أن المؤلف يكون في موقع تقديم عرضحال أو بمثابة كاميرا. فهو لا ينقل المشاعر بشكل جيد وهذا لا ينفع، خصوصاً حين يتعلق الأمر بقصة حب وسنتطرق لهذه العلاقة لاحقاً. وجهة نظر الراوي العليم كثيراً ما تقلل من حماس القارئ لأنه مطمئن لأن القصة تحت يدي (ملك قدير) هو المؤلف لذلك قد لا يسهل على صاحب القراءة الواحدة أن يلاحظ أن القصة الرئيسة في الرواية ضامرة وغير مقنعة. والمحصلة أنك تلتهم الكتاب سريعاً لتبدأ في السؤال عن قيمة ما قرأت فيما بعد. وهذا الجزء يخص أصحاب الرؤية النقدية دون غيرهم من القراء.
(2)
الحديث عن أدب مابعد كولونيالي وما أدراك، أو عن الرد الابداعي على أعمال روائية مكنت للاستعمار أو مجدت دوره، وما أدراك. كل هذي تبدو، أحياناً، مجرد ذرائع للبحث عن مكان نضع فيه الأعمال الأدبية كما وأنها تؤكد جاذبية، هذا
النوع من الانتاج المضاد، للأوساط المعنية برواج الأدب ول(ناس) الأكاديميا. السؤال المهم بالنسبة لي هو: هل يأذن نص حمور زيادة بقراءة له تضعه كسردية ذات قيمة أدبية عالية وذات رسالة كونية؟ أم هو يأذن بقراءة له فيها تأبيد لوجهة النظر السالبة عن السوداني بشكل خاص وعن، الأفريقي، الأسود بشكل عام؟ وما أحوجنا لسردية سودانية خالصة. وأنا لم أقرأ كثيراً من الروايات السودانية. لكن هذه الرواية فيها هذه الميزة وهي فتح الشهية لروايات تحوي سرديات سودانية وتفاصيل حياتية تحفظ وجودنا للأجيال القادمة.
(3)
رواية (شوق الدرويش) مليئة بالوقائع وبها داتا وفيرة فهي تدور في أكثف لحظات التاريخ السوداني، المهدية وسنواتها وما قبل الانكسار وضياع صورة الثائر التي لمعت في آفاق السودان. ولقد استخدم زيادة كل هذا الزخم بذكاء، لمصلحة خطابه الذي تحاول هذه السطور أن تستجليه، بحيث أتى أغلب ما ذكره في روايته من قبيل المعلوم لكل قارئ للتاريخ. ولقد أسكن مشروعه الروائي كخيط واهن في ثلة من خيوط أحسنت نسجها الثورة المهدية وصارت تاريخاً حتى عند غير السودانيين. ولكن خيطه هذا، على ضعفه، لم يخلُ من أصوات لها أصداء تبث من داخل الرواية وهي الاصوات التي سأتناولها في خاتمة هذا المقال الصغير.
قصة الحب الرئيسة في الكتاب لم تضعفها مجرد آلية الراوي العليم التي لا تنفع في بلورة المشاعر، كما أسلفنا، بل هي قصة محكوم عليها من قبل الكاتب نفسه. فهو يحكيها بقدر من العاطفية يفترض هو أنه لابد موجود عند القارئ. وما استعادات المؤلف لبعض أقوال بطل قصة الحب بخيت منديل سوى ضرب من إقناع القارئ بنبر وجدية الحكاية. وقصة الحب ضامرة لأن بطليها ساكنان لا تحركهما لا الإرادة ولا الأحداث. فبخيت لم يتطوّر وعيه كإنسان ليكلل قصته بالنجاح رغم أنه حفظ القرآن (ولا ندري من الرواية أين تعلم القرآن) ورغم أنه خالط أناس أفندية وأشباه فلاسفة في السجن ورغم أنه تعلم الانجليزية على يد حبيبته ثيودورا. وقصة الحب ضامرة لأن ثيودورا نفسها لم تتطوّر شخصيتها رغم أنها وعت لحقيقة أنه ربما كان مصيرها أن تعيش في واقع (حبيبها) وبدا أن صلتها بمصر واليونان قد انقطعت. فكان عليها أن تغادر حالة الوجود كعبدة لتلتحق بحبيبها العبد، الذي لا سيد له، فيغدوان حبيبين لا سيد لهما وتتحقق لهما غايات مفهومة عن الرباط الزوجي والمسئولية.

(4)

إختار حمور زيادة بطلاً لقصته انساناً رقيق الحال من جميع النواحي. فهو عبد تائه لا سيد له ولا انتماء. لا يعرف أصله ولا تؤثر فيها الأحداث. بل حتى المرأة التي قتل خمسة أو ستة رجال من أجلها وصفته بأقذع الأوصاف. فهل هو مثال للإنسان السوداني في ظرف التحوّلات الكبير ذاك والتدخلات الطامعة في بلاده؟ إن بخيت منديل هو من أسوأ الشخصيات التي يُقال عليها نقيض البطل أو الantihero. وهو ليس فقط عاطلاً عن أخلاق العامة بل هو أيضاً جبان لم يقتل أولئك الرجال إلاّ بقدرة الخلق الروائي. يقول صاحبه إدريس لثيودورا في وجوده: "لا تسمعي هذا الجبار. لن يفعل شيئاً. ليس له قلب يقتل. لو رأيتيه يلقي سلاحه أول ما أحاط بنا الكفار في أسوان لعلمتِ". وبخيت الجاهل، بحكم نشأته كعبد ثم كإنسان لا منتمي إلاّ اسمياً لما يدور في مجتمعه، هو الذي يقول لثيودورا حين سنحت له أول فرصة: "من أية بلاد تسكنها الملائكة أنت؟" هكذا يخاطب بخيت المرأة الراهبة التي أحبها من أول نظرة رغم كرهه للبيض. فالمؤلف لا يكترث كثيراً من أن يضع مثل هذه العبارة ذات الحمولة الثقافية العالية وغيرها على لسان بطل القصة بخيت. وفي لحظة أخرى يقول بخيت في معرض خطابه لثيودورا: "الحب هو كل ما نملك. من طلب الله وجده في الحب....ومن طلب الشقاء وجده في الحب." وكانت تلك كلمات تعلمها بخيت من سيده المصري يوسف أفندي سعيد. وكذلك من عظم المعارف التي اختص بها المؤلف هذا البطل غير المؤهل لها فإنه يعرض علينا براعة بخيت في تحويل سنة هجرية للسنة معادلتها في التاريخ الميلادي عقلياً وهي عملية يعجز عنها المتعلم من خريجي المدارس ولا ندري كيف يتوفرعليها انسان بسيط ومغلوب على أمره مثل بخيت منديل.على أن إكتشاف مصادر بخيت منديل في معارف كهذه هو في الأصل غاية هذا المقال. إذ أن مبحثي يتمحوّر حول قضية التعبير عن الانسان السوداني، والجهد الابداعي الذي يتوخى إعلاء صورة السوداني أو الكتابة بصورة توكيدية لقضاياه. فبخيت كغيره من السودانيين نهل من المعرفة التي أتاحتها ظروف التحوّل، سواء قسراً أم طوعاً. لكن بخيت له مصادر أخرى وإن كانت ضعيفة مثل تجربته في الحوارات داخل سجن الساير التي لا يعوّل على فائدتها التعليمية أو التثقيفية وهي لهذا جاءت فاترة لا تميزها سوى السخرية من الأحوال أو خطرفات المغربي مدعي النبوة. وإزاء هذا الوضع لجأ المؤلف، بذكاء، لتطوير معارف بخيت، بطل القصة، من خلال إنشاء علاقة له بسيده المصري يوسف سعيد. والملاحظ هنا أن المؤلف لم يفصح عن ديانة يوسف سعيد ولا أظن أن هذه النقطة أتت عفوية. إذن بخيت السوداني سيتعلم من يوسف سعيد المصري.
لكن حتى هذه الفرصة لتطوير معارف بخيت كأداة لبناء شخصية رئيسة في الرواية أتت أشبه بالكاريكاتير المعرفي. لأن بخيت وجد عند يوسف سعيد مكتبة
ولكنه طبعاً لم يقرأها بل قرأ عناوين الكتب، وهي كتب شهيرة، على أرففها. وطبعاً هذه واحدة من عادات الروائيين، أن يدخلوا بك في منزل ويستعرضوا معك الكتب وأسمائها ولا غبار على ذلك. كذلك فإن يوسف سعيد اكتشف وسيلة عبقرية لتعليم
السوداني، وهي تحفيظه الشعر العربي من خلال مطارحات شعرية. ولقد انزعجت جداً لتخلي المؤلف عن وصف هذا النوع من الألعاب السائد عندنا بالمطارحة الشعرية واصراره على انها مذاكرة وإن كان هذا الوصف صحيحاً في مجتمعات أخرى. وعند هذه النقطة على ضآلتها تذكرت أن أحدهم قال إن الرواية أصلاً مكتوبة لقارئ غير سوداني. وبالتأكيد أنا لا أوافق على هذا الرأي وهو مجرد خطرفات.
وفي أحد حوارات بخيت مع معلمه المصري يدور الحوار التالي:
بخيت: نحن جند سيدي المهدي عليه السلام
يوسف أفندي: هذا درويش كذاب. لقد أحسنت إليكم مصر. حكمناكم بما يرضي الله. كنا نكرم سادتكم وشيخ قبائلكم لكنكم لا
تردون المعرف بخير.
انتهى الحوار.
وبخيت كاذب هو الآخر، لأنه ذهب في حملة النجومي هرباً من الجوع وليس لأنه درويش. ولعل زيادة قد لاحظ هذا هونفسه فخرج على الناس بدعوته لأن يضع القارئ عينيه على حسن الجريفاوي، ربما لأنه هو الدرويش الحقيقي. وسنجد فرصة لاحقة في التعليق على مسألة تهميش المؤلف للشخصية الهامة لحسن الجريفاوي وكذلك تهميشه لمريسيلة. ويقول المصري الذي هو نفسه مغلوب علي أمره لبخيت: "يا سوداني أنتم ناكرو جميل لا غير. بلاد السودان في خير حال تحت الحكم المصري. لكنكم مهاويس دين." وهذا حديث المصري عن تحوّل ثوري طرد الأتراك وتوابعهم من المصريين وقاوم الانجليز فما هو رد السوداني؟ لم يرد.
وطبعاً لا يستطيع أن يرد. وهذا اختيار المؤلف.
(5)
قلت إن الراوي جعل أهم مصادر معرفة بطله بخيت منديل هي أحاديث سيده المصري. وسأستخدم الراوي أو المؤلف بإعتبارهما وصفين يمكن تبادلهما interchangeable للدلالة على نفس الشخص. واللافت أن الراوي كان من الذكاء بحيث أنه ترك مصدر هذه المعارف، وعلى رأسها معرفة الحب، بلا تحديد لهويته الدينية. فهو محض مصري. فإسمه اسم مسلمين واسم زوجه وإلخ ولكنه يبّشر بالحب وهو مبدأ مسيحي، الله محبة وما إلى ذلك. وقد يلاحظ القارئ أن المؤلف زيّن روايته بالعديد من الآيات القرآنية وكذلك الآيات الإنجيلية بشكل ربما راعى فيه نوعاً من التوازن. فهو يشير لجمهور معيّن بالتأكيد من ما سنشرحه وفق القراءة التأويلية التي نعتمدها.
وفي السردية الكلية نفسها فإن هناك سرديات داعمة تحكي عن بعض شخوص الرواية مثل السردية عن ابراهيم ود الشواك أو السردية الأطول عن الحسن الجريفاوي أو السردية عن الطاهر جبريل. كل هذه السرديات الداعمة للسردية الرئيسة عن بخيت وثيودورا، هي سرديات سالبة في مردودها وتنتهي نهايات سالبة مثل سردية ابراهيم ود الشواك أو لا تنتهي مثل سردية الجريفاوي ولكن السردية الوحيدة التي تبدو مشرقة هي سردية حياة بخيت القصيرة مع سيده المصري.
فما هي قصة مصر في هذه الرواية؟
ما هي حقيقة الاستملاح التي أشار لها البعض في هذا الصدد؟ كيف يفوز المرء بهذا الاستملاح من المصريين؟
تقول دروتا في مطلع الرواية عن السودانيين: ليس فيهم سحر المصريين.
ثم تمضي الرواية لتصف الجيش الغازي للسودان الذي قاده كتشنر أنه "الجيش المصري الغازي" ص 54 وتتحدث عن "دخول جيش المصريين" ص 455. وهنا صحة المعلومة التاريخية غير مهمة لأنه معروف أن الجيش لم يكن قوامه
المصريون وحدهم ولم تكن قيادته مصرية بل بريطانية و إن أهم كتائبه كانت بريطانية محضة ولكن ايراد صفة أنه الجيش المصري تقع ضمن تأليف المؤلف. وإرادة المؤلف في هذا الشأن تنسجم مع كيفية عمل النبيطة أو ال device أو الماكينة التي إعتمدها. وهي نبيطة لانها مستنبطة أو مستخرجة. فالنبيطة التي تحرك العمل الروائي كانت قد نجحت كثيراً من قبل. إنها نفس النبيطة التي استخدمت من قبل الطيب صالح وعند أشيبي وع الرحمن منيف وازابيل أليندي وغيرهم. فهي ماكينة حركية تعمل في توافق مع متطلبات مراكز النشاط النقدي الأكاديمي. ومن تروسها القضايا الكبيرة مثل الهوية والصراع مع الاستعمار وابراز ثنائيات بعينها يهتم بها النقاد وإنك لواجد في أغلب الأعمال التي فازت بالجوائز أنها تشتغل على الاستلاف من التاريخ أو تطرح قضايا كبيرة. وقد قر عند الكثير من الكتاب أن هذه النبيطة device تضمن للعمل الأدبي رواجه وربما تضمن له العالمية. والعمل وفق ترسيم محدد للعمل الإبداعي بحيث (مايخرش ميّه) هو عمل لا حرج فيه لأن الفعل الروائي هو نفسه نشاط واعٍ. ولكن يبقى السؤال حول عمق الأعمال التي يكتبها أصحابها بمثل هذا الوعي بالرواج. ويبقى السؤال عن اهلية العمل لكي يعتمد كسردية كبرى، يرجع لها الناس من حين لآخر.
(6)
من المهم التفريق بين الحبكة plot والنبائط devices فيما يخص العديد من الروايات التي استطاعت أن تلامس أنشطة النقد واتجاهاته، وتجد مكاناً مرموقاً لأنها ذات مضامين themes قيد البحث والتمحيص الأبدي. وأبدي هنا مقصودة وليس هناك typo لكلمة أدبي. وسبق لي أن كتبت مقالاً يحاول معرفة مصادر الأديب الراحل الطيب صالح في رواية موسم الهجرة للشمال تطرقت فيه لفكرة النبيطة وأنها حقيقة أدبية بدليل أن آخرين عدا الطيب صالح توصف أعمالهم بأن بها نبيطة أو device مثل روايات عبد الرحمن منيف أو بعض الكتاب الأفارقة. ودعني أتحدث قليلاً عن النبيطة لأنني أستخدمها في هذا التأويل. فقد قلت إنها من الفعل نبط واستنبط وهي ترجمة معتمدة لكلمة device في مجالات أخرى كمجال الالكترونيات، ولكنها يمكن أن تعمل نفس ما تعمله في المجالات الأخرى. فهي حياكة مضامين بعينها وتضمينها في النص الروائي، مثل مضمون الغربة أو الإغتراب. الصراع مع الأجنبي أو قضايا التحرر والنكوص، الصراع الديني إلخ. وتقوم النبيطة بتفعيل الحبكة و(توصيلها) لمآلاتها. ويقع هذا في الرواية كغطاء فكري يضم بداخله التشخيص والأسلوبية إلخ من أدوات العمل الروائي. الحبكة في
الرواية المعنية هنا لا بأس بها كحبكة ولكنها، كما عبّر آخرون، لا تنتج متعة للقارئ ولا يمكن أن يعتد بها كسردية هامة لأن فيها اجترار واضح للتأريخ وإمتثال للتنميط الفج stereotyping. لقد اختار الكاتب أن يصوّر لنا جوانب من حياة بعض الشخوص محصلتها النهائية أن الانسان السوداني يحتاج بصورة دائمة لمعونة الآخر الأجنبي، أو أن السودان هو (أمة متخيلّة)، بتعبير من تعابير ادوارد سعيد، لا وجود حقيقي لها. وهذا صوت.
إن الأصوات في الرواية بحسب إملاءات النبيطة المعتمدة لكثيرة. هناك صوت يمّجد غردون باشا وفيه عدم صحة في القول بإن غردون حكم السودان مرتين.* وآخر يشتم السوداني بلون سحنته. وصوت رابع يدعو للكراهية بين الأديان. لكن الصوت الملفت بحق هو صوت مصري. وهو صوت حقيقي، بمعنى أنه الصوت القوي الموروث من الإمبريالية التركية والذي لا يفتأ يعلو في سماء مصر حتى أمسنا القريب. فالرواية بشكل ما فيها تعزيز لوجهة النظر المصرية، التي لا زالت للأسف خديوية. وبالتالي هي بعض عُدة من يخدمون مشروع تفتيت السودان أو عودته للرضوخ الثقافي الفكري لمصر.
وبهذا يمكنني أن لا أوصي بقراءة الرواية، أو أوصي بإهمالها لأنها سامّة.
ويبقى أن هذا تأويلي الشخصي الذي لا يشاركني فيها أحد.

انتهى

* معلومة أن غردون حكم السودان مرتين صحيحة بحسب تصويب من الأستاذة آمنة مختار.

  • إقرأ موضوعاَ ذا صلة

  • Monday, 21 March 2016

    Drought, Sharia: Extra Horsemen of the Apocalypse

    Movie Critic Review




    "All cinema is Political" Costa Gavras.


    If you have not yet seen any of the short movies made by one of the
    leading African filmmakers, then here you are!
    A shared copy of roughly the 27 minutes that the movie spans!
    Our admiration and respect go to Mr. Ibrahim Shaddad, the filmmaker.
    It is needless to ask if you have had enough of African cinema!

    Short Movie: Insan (Human Being) 1994.









    Synopsis


    A herdsman, obviously not poor, is forced to move away with his family and cattle toward the big city to avoid perishing from the drought which stroke his natural Bedouin habitat in sub-Saharan west Sudan, Africa. En route, he loses to death from thirst, his family and all but one cow left from his cattle.
    In the unwelcoming city, where the man is stunned by the abundance of water for him and his cow, life turns to be harsher than the drought in that his kind of people is not able to fit and sustain himself through a job. He is completely marginalized and excluded. All he has access to is water for him and his cow. One day he loses his cow but, thanks to his natural sense of tracking, he is able to find where it went. In fact the cow was removed by the authorities as a neglected animal. Without proper or legal procedures he enters the place and takes his cow. But, of course, he gets arrested and summarily sentenced to a fierce kind of punishment that makes him all the more unable to work and carry on with his life.
    The movie is set during the drought episode of 1979-1984 in Sudan which coincided with the enforcement of an Islamic Sharia law by the already dictatorial regime in Sudan. It therefore depicts the wrongfulness of bodily punishments especially in a country where development and growth of economy have been arrested by a despotic regime.

    Review

    There is no dialogue in this film but there are certainly many visual and sound pleasures. The noise of the big city merges nicely with natural singing sounds and is complemented by a beautiful musical score based on western Sudanese music.
    There are several hilarious moments in which juxtaposing the facial register of how this sweet illiterate person interacts with things and people in the reality of the big city, creates rewarding cinematic experience. There is also a fleeting attempt at some erotic shots, if you will. Elements that secure success to the movie are: the catchy and memorable music and the solid and unforgettable acting by the main character. But, above and over all, is the ingenious way the movie tells the story and the sensational editing.
    At minute 15:03 of the video the roar and formidable noise of a machine in the desert reflects the indifference of modern devices to the simple basic needs of drought-stricken human beings and though it is a kind of a drilling machine it is completely futile towards quenching thirst. Further more, it constitutes a signal of a foreboding alliance between drought and intentional design to neglect basic needs for more lucrative schemes such as drilling for oil in the sands. The starkness of the scene is augmented by two horizontal shots in which the machine, appearing vaguely fearful, equates with human presence but does not seem of value to it. These machines with their enormity and noise do not serve the simple needs of human beings around them. At minute 24:43 and on, to the dismay of our thirsty protagonist who awaits it in a worshiping gesture, the pipe oozes blood and gore, not water!
    The blood is a reference to civil conflicts and wars afflicting the area.
    Although the story is a steady following of the happenings in the life of a single person yet the way it is written, a circular way, employs bold cutting to flashback and forward. Editing here is the cinematic equivalent to 'cutting' in the general meaning and sense of the word and conveys well the filmmaker's reaction and deep concern about the shocking punishment his character is subjected to. It resembles the reliving of a trauma.

    Final Note

    Insan which premiered at the Alexandria Film Festival was screened, thereafter, in many festivals around the world. It is considered by many critics as one of the important examples of experimental cinema.

    Mustafa Mudathir
    Sep 10 2013

    EnJoY!







    Short Movie: Insan (Arabic for Human Being) 1994. Colored. 27 min
    Genre: Experimental/Feature. Sudan (flashing.)









    Film Specifics:


    Language: No Dialogue.
    Story by: Ahmed Gabbani
    Screenplay: Ibrahim Shaddad
    Photography: Salah Sharief.
    Editor: Mohamed M. Ali
    Music: Osman el Naw
    Directed by: Ibrahim Shaddad.
    Cast: Rashid A. Eisa, Umayma.







    Saturday, 30 January 2016

    Come Back Shane!




    Some positive critical reviews of old (ancient, I should say) movies make you want to see them again just to find out who was really great, we the viewers or they, the movie makers? But such are good movies and also, more often than not, you get obsessed about origins for great art other than its very essence.
    Searching for resources to write a review about this oldtimer movie called Shane had taken me longer than I thought because I was really baffled by how some critics exaggerated in describing this movie as either the best or one of the best cowboy or western movies. It was ranked third in the best ten western movies ever.
    I must admit that I liked none of the actors in this movie. In simple terms Alan Ladd and Jack Palance were notcredibly notable as actors. But wait! These were my views when I was the age of Brandon de Wilde and when I watched him, I immediately got uncomfortable that this lad was going to be a glorious star! 
    The reason for me to want to write about this movie is that it inspired one memorable Sudanese short story writer to develop his brief but fully-packed thematic (read heroic) depiction of some moments of the early fifties or late colonial African reality. 
    Ali Elmak*, a westernized intellectual who was genuinely fond of indigenous aesthetics, could actually relate to the mysterious and almost mythical world of perceived values and cultural interpretations derived from the workings of cinema as a popular medium and also relate to how it affected African tastes and preferences. Cinema was able to link, in a somewhat positive way, the visions of the vastly illiterate African movie-goers with broader, better-voiced world views. The Slogan-ism of the fifties and sixties in Africa was not entirely bad, particularly for artists and literary writers. Elmak derived his literary prowess not from unthought of plots or esoteric and self-aggrandizing fabrications, but from the current; the here and now of everyday living. I must add that Elmak was not employing the medium of cinema but rather he and cinema were actually allies in the emancipatory endeavors by the culturally apt. 
    Ensconced behind this vision, I persevered until I received Elmak's narrative text entitled Thursday Evening which was one of a collection of short stories bearing a smart and intriguing name inefficiently translated into Climbing to the Bottom of Town which I had read decades ago. 
    I received the text of Thursday Evening from a younger friend with a warmer heart who was silently following my preparation for the subject. This text by Elmak is an awesome one. It belongs to the city of Omdurman in a prime way as it truly describes the pulse of the city on a thursday evening, the beginning of the weekend; of that celebration on which the exploiting classes urbanly fool the exploited ones for a minute fraction of the surplus value! In his email, the friend who sent me the text, insisted on drawing my attention to the huge package the title of the story would have if we added the word 'fever' to it as this would make it more laden with signifiers; more lending of a reading which summons another cinematic text I have thought was exclusive to my generation, but has proven to be transgenerational. Saturday Night Fever!


    ******

    Thursday Evening blows up the loaded catchphrase 'Come back Shane', where Shane is a noun, through a short narrative about a young man who wanted to spend his thursday evening watching this movie Shane but his favorite white pants got dirtied, forcing him to sadly return home. But did he miss the chance to watch that lad in the movie who admired the film hero Shane? Well, clearly it was not going to be his first watching! That lad in the movie shouted when he saw Shane withdrawing from his life at the end of the movie, "Shane! Come back!" 








    Shane, who initially came from the mountains into the scary expanse of land, faded away just like our unknown prophets or like Mustafa Saeed in Tayeb Saleh's Season of Migration to the North.
    The truth was, we all uttered that lad's catchphrase for weeks or months following our/everybody's repeated viewings of the movie without this arousing any critical stance or question as to the value of the catchphrase or to what extent it contained references or anything. It just seemed right. It was only clear that the global nature of the creative act was the reason why we, in the postcolonial world had taste for the same data that audiences in North America had taste for. The correlation was seated on that lad's cry which was strong and honest "Shane! Come back". He even told Shane that, "I am sure my mom loves you!". Of course, among the cinema audience in Sudan were those whose eyes flooded with tears watching this part while they thanked God the screening of the movie was done in the dark which relieved them from being bashed and ridiculed for crying in public.
    The widespread resonance of that quotation proved that we were not much different from the cinema audience in the US as that catchphrase 'come back Shane' was reported among the hundred most mentioned cinematic quotations in the West!
    In the case of Elmak's employment of the phrase, it would not be fair to interpret the phrase as a cry from Elmak for the return of colonial rulers to Sudan. The more accurate analysis would be to link this literary device he used with aspirations for heroes from Sudan's recent past; with a nostalgia for the heroes within. 
    So stand up to your taste, Sudanese, and go release it from the hands of the oppressors!




    It is Interesting to mention that, speaking about the universality of the creative act, I stumbled on an Iranian cinema web site called Come Back Shane. I repeat, that site called for Shane to come back, not Khomeini or Musa al-Sadr! 

    ------------------------------------------------
    Jack Palance
    The text by Ali Elmak revealed his original relationship with the creative act and what it needed to be accomplished. In the repressive atmosphere of the fifties, Elmak knew a great deal about cinema. He knew who directed which movie and who played what role in it. He new the intricate algorithm of hero, sidekick, villain, the coward and snitch and those who contributed to the making of movies. Despite all this, I thought Elmak made one unexplained omission of how people reacted favorably to the villain in the movie. Villains sometimes were turned into heroes in their own way. Rather than hate Jack Palance, the audience actually loved him and were sorry to see him gunned down. This was a theme to be explored i.e why people loved bad guys in movies. Ali Elmak, definitely knew why! 


    George Stevens

    I recommend watching this film for another reason. Director George Stevens was a wonderful person who studied nothing, not even acting which he learned from his parents who were professional actors. Early on in his life he acted and then loved photography. He gradually moved into making movies. He was known for his perfectionist way of slowly and repeatedly taking and editing his shots. He took forever every time he made a movie but then he took the Oscar twice as Best director: A Place in the Sun 1951 and Giant 1955. He was nominated for Diary of Ann Frank and this one: Shane.


    -------------------------------------------------------------

    * Ali Elmak was a Sudanese professor and short story writer. He died in New Mexico in 1992.

    Arabic Readers Please Find Ali Elmak's Original Text here

    Post First published 2:55 PM Mar 01/2014


    Friday, 22 January 2016

    وشاية البروق


    وشاية البروق


    سنجة،
    ذات خريف.
    عثرتْ صراصيرُ على زئير أسد فنهشنه إلى شرائح رفيعة ومستطيلة تُغنيِها لدهور من زعيق وراءه ألف طائل. يا لدَعة الصراصير. تقطع من الزئير على مقاس زعيقها لتتفرغ بعده للجنس الماجن، ربما. جنس مدفوعة آهاته.
    هي سنجة، ذات خريف.
    رعب البروق أقوى من صدى المدن الثلاث البعيدة. بعيدة الآن في جوف جفافها. ومعنا عودٌ نداري أوتاره الخمسة من المطر الكاسر. ومافهمنا، فالسحاب يدنو كي يرّبت على كتف المدرس المائل ويمد العودَ بسحر تدركه خواتيم الحواس قبل عشاء وخيم أو يحاول شيئاً من دو ري مي تفض بكارة (الزيفة)! وأهتف: يا سنجة أنت آخر من ظننت أن له امتثال لما في الذاكرة. ولك في الخلود ماءٌ. أتفوقين سنار؟ ويح ممالك التشكل من وعورة الولادة الزنيمة. ويح ممالك الزرق بادت عن آثارها....
    سنجة، ليس في وسع إمرئ أن ينتحر والغمام يستبيه بوعد أسمى من خيال الكوتشينة!
    سنجة، يا خوفاً طفولياً من دنو السحاب!
    سنجةُ المدرس الذي يداري عوده من البلل ويحرضني على قطف الغمام!
    *
    وتحت سقف من مطر مرقنا، أنا والمغني!
    لا أكاد ألامس الدروب من فرط وحشتها. بينما هو يعيد ترتيب أحجارها بشئ من المودة. هناك، يا إلهي، من يوادد الحجر!
    كان المغني يجّد في طلب (الميز) ولا ينتظر الرعود مثلي. فبعضها، كالوعود، لا يأتي رغم سطوة (العبادي). وكنت أعجب. بعض البروق عقيم كبعض الرجال الذين ترزم دعاواهم بالفحولة. ولم أفرح ب"عيد الكواكب"، وكان لا بد أن يأتي ذكره. لم أفرح بالكواكب نفسها وأنا أراها تساقط دون أن يعنيها غياب الدوي عن سقوطها. تسقط كما الأحداث الجسام داخل أضغاث الأحلام. يقول المحتفون بهذا العيد الخرافي، وهو عيد من مستحدثات السبعينات، إن فيه نور الدنيا صفاه ثاقب. يمجدون الجهرة والإبهار وكذا العشا الليلي....ورعب الطبيعة. هكذا يبدعون الطلاسم المقيمة. كانوا في تلك الأيام قد استعادوا مجد أغنية قديمة ل"عثمان الشفيع". لم أكن أعرف بالضبط لماذا لم تكن أغنية زمانها أو لماذا هي فجأة أغنية زمان آخر يأتيك بأخبارها كل ذاهب على دروب القعدات. سنجة تستمد قوتها، إذاً، من البروق ومن أغنيات ذاهلة. هنالك رغبة عارمة لديّ لعقد مقارنة بين سنجة وسنار مبتعداً بإصرار عن تماهيات التاريخ وأخيلة التصوف. عن أي مجد مندرس لا أثر له إلاً في أمانينا. وعن تكتكات الشيخ فرح. ولكن لا وقت لذلك وأنا أطل من شباك كئيب في (الميز).

    *
    ساعداي ساعداني أن أباعد بين أنفي وروائح صغيرة تتقافز بين بقع على خشب النافذة. سعوط، أعقاب سجائر مندرسة وبصقات الخسارة الوخيمة في (الكنكان). الملك الشائب يتبوّل على بنت شيرية. وبنت شيرية تنشغل عن مائدة الكوتشينة. تسمع صوتا ثقيلاً. شئ يسقط من سقف الحمام. وتحت البروق أرى المعدن الماخر لجج الظلام. لاندروفر قديم. يرصعه البرق فيجفل من حفرة لعشبة ويجفل من بداخله. كدت اسمع صياحهم والفوضى المطيرة. وكان لخيالي، يسكره هذا المشهد، صليل كصليل سنجة. كان الخوف كله بجانبي، وبجانبهم مجون السفر.
    تذكرت مشهدا مماثلا لكنَ دمعي ضيعه البلل. من نفس تلك النافذة المتسخة وكان الوقت عصرا على أعتاب الأصيل. نفس هذا اللاندروفر الذي يبدو ماجناً هو الآخر. تتكسر أعضاؤه فوق لجج السراب. ولكن هل في سنجة ثمة سراب؟ فالماء في سنجة الحقيقة.
    *
    تصايحت نسوة الليلة وهن يغادرن اللاندروفر يتبعهن السائق وبين يديه زجاج يصطك وخلفه خف رجل آخر ينوء بكتلة لم أتبينها. وكنت قد عجزت قبلاً أن أتبين الاشياء التي كانت تفرفر داخل الجوال في ذلك اليوم.
    قلت له، رائحتك خمر. ماذا أحضرت؟
    نظر إليّ نظرة استنكار عابرة ثم تبسم قائلاً، خروفين جاهزين للطبخ.
    قلت له ساخراً، طبخ؟ عليك ذبحهما أولاً. ألا ترى أنهما يتحركان داخل الجوال؟
    ضحك وتراجع للركن الذي رمى فيه الجوال وبحركة خفيفة من اصبعه انبجست قرقرات صغيرة. ألجمتني الدهشة. كانت تلك أصواتاً آدمية. نظر لي مبتسماً واطمأن أني فهمت طرفًا من الحكاية. قال، بنتان صغيرتان سرعان ما تتعلمان. ولم أفهم الشعور الذي انتابني لوقوعه بين الفجيعة والتوقع الغامض لشهوة. عبر ذهني طيف من تذكرٍ لا يخصني. سيد وسياط وعبيد. يا للفداحة، صبيتان بكر يقدمهن الفقر قرباناً لنفسه. واصل هو قائلاً بنبرة جادة، أعرف خالتهما. امرأة طيبة تثق بي. أنت تعلم. أكرمتني ببعض صنيعها قبل أن يُؤتى إلىً بالصبيتين.
    ثم بنظرة عميقة داخل عيوني قال، هي تثق أن لن يصيبهما سوء من عندنا.
    وأطرق حزيناً وقال: لن أتمكن من رؤيتها قريباً. الوالدة. أرجو أن تعيش حتى أراها!

    *
    سهرة الميز تبدو لي كطواف مخمور حول منضدة. هو الميز كما زرته أكثر من مرة. تتغير الوجوه. قال المغني، لا نسأل أحداً عن سبب وجوده بيننا. ما على المرء إلاً أن يتمثل هنا. قلت وقد تبخرت فكرة أن أتقمص أني في مهمة، لا زلت غير مصدق لما حدث. قال بعد صمت، لابأس أن تعود إلينا كلما خطر لك ذلك.
    إختفى وتركني أحدق من النافذة في أفق بعيد تصطرع فيه الرعود. البرق يكاد سناه يكشف ورق أحدهما للآخر. يصخبون وأعينهم على الورق. يشرحون اللعبة الخاسرة بالصوت العالي نكايةً ويبدون صادقين. تبدو خسارة بعضهم كالرعود الآفلة. كنت دائماً أحاول أن أتصالح مع لعب الورق بلا فائدة!

    *
    النسوة بعد أن تسللن خفافاً من اللاندرفر عبرن ممراً مفضياً للغرف ثم خرجن و قد تحلل بعضهن من بعض الثياب. لكنهن عجزن عن تغييرالمنظر. دك الكوتشينة كان ظني. دقُ مدماك الشهوة في قلب برندة الميز النملية. كان المغني قد انشغل عني وعن أن يغني بواحدة منهن. جميلة يغازل بياض عيونها البرق والرجال. تظنها تصغي له لكنها ترسل وعداً لغيره طي برقية. ترى مع من أتت ؟ لن تفتك بي على كل حال. وعبرت في ذهني صورة يوسف.
    قال- قلت لك إنها طيبة القلب.
    قلت- أبعد عنها يا أخي.
    ضاعت مني لحظة أن بدأ الصخب. قال، أدمنتُ أفعالها الصغيرة. استفظعت صراحته. وانطلقت نقرشة العود من ركن آخر من البرندة الطويلة. انتقل إلى ناحيته المغني ولما يزل يرمقني بنظرة شفوقة. إشتغل ذهني برصد اللحاظ والدلائل الدقيقة في شفاه تبرطم أو في هنيهة أن تسترخي خائنة الأعين. عندما سألت المغني في موقف البص كيف ميزني من بقية الركاب الذين هربوا يتحررون من ضيق البص وحره إلى فضاء الرذاذ والوصول قال لي، الشبه. ثم ضحك لبرق كان ينتظر اسنانه فشاعت القناعة داخلي أنني إزاء مدينة من الغرابة الندية. أكثر الغرابات شجناً. لم أدر لماذا اخترعت فكرة أنني في مهمة تتعلق بوصية تخيلتها ليوسف. شجبتُ حالة الوثوق التي تلبستني وتجلت في تحيتي للمعلم الخالية من الامتنان. تلك التحية المتعجرفة. فالذي لا أساس له هو أنني بالحدس سأقرأ أخبار الدقائق السابقة لذهاب يوسف. ولكن ماذا يفيدني هذا؟ في مرات سابقة كانت سهراتهم أكثر رصانة من سهرة الليلة ونساؤهم مخبوءات إلاّ مَن إقترحن. كانت هناك مهابةٌ ما تبدو خلسة في عيون الرجال يشعلها وجود يوسف. كأن الكوتشينة مهربٌ من سطوته. وأكثر ما أزعجني تلك الفتاة. كان يحرص عليها. 
    قال أحدهم إنه يحلم كثيرا أنه ضرط أمام خطيبته. جاءه الرد بارداً. وجه بين أوراق الكوتشينة قال، هذا ليس حلم إنها نبوءة. خذ (فام لاكس). وانفجر ضحك فاحش.
    لو توليني إحدى النساء غيرها أكثر من نظرة علّني أطرح عنها شكوكي. ولكن كيف ذلك والفتنة مدلوقة على المناضد وبرائحة البيرة. لا أستطيع أن أميز بين مذاق شفاه ورحلة صيد متخيّلة. بعض النسوة تعرفن عليّ وبدا السؤال عن سبب عودتي للميز عالقاً. تناقلوه مثل طبق مزة. وكبرياء الحدس يلقي الحدس على قارعة التوقع.

    *
    سرَى أثر السكر مثل الخيانات الصغيرة لتنقلات أوراق اللعب، تلمع لمن يقتنصها، واستيقظت هفوات الجسد. قبلة سريعة لإمرأة رجل آخر
    ربما أجدى من الآس، من البنت، من كل اللعب وأوراقه. ورويداً اندلقت الأسارير على حل شعرها وهان الكلام. ارتفع الحرج كما البخار
    لا يلوي على شئ. تذكرت (ميزات) أخرى دعاني إليها. لم أكن أجهد في معرفة مَن هي فتاة مَن. لكني هنا والآن أرى وداً خصيصاً من الجميع للجميع. إلتصاقات لا أحتجاج عليها. مناخ للغيرة تعدو فوق فصوله الشهوات. حتى من بدأوا تنظيم السهرة بحنكة اضطروا لتجاوزات فاضحة. فعبروا تهدلات الشبق باعتذارات باهتة. وانكسرت كؤوس مصحوبة بشهقات منتقاة. مرت أمامي أكثر من مرة وألقت بنصائح عامة للاعبي الورق وكانت عيونها ترعى ذهولي كأنها المستفيد من وخزه. ها هي تستأنف إذاً. قلت في نفسي إن هذه خدعة. يستطيع أي إنسان أن يبدو بكيفية ما لمن يبحث عنه. رغبت أن لا تكون هي لكن البرق أراني ذلك الندب الخفيض على ظاهر كفها اليمنى. وبلغوا عيد الكواكب بُعيد اختفائها. أخذها أحدهم الى غرفته!
    *
    نمت أغلب النهار.
    عندما صحوت كان الميز ساكناً كأن لم يكن صاخباً في أمسه. تعثرت في طريقي للنافذة. كنت دائماً أهفو لما وراء تلك النافذة.
    رأيتني أتقدم، بحذر، نحو اللاندروفر، نفس اللاندروفر، وقد تعكر مزاجي. لم يرق لي مشهد الفتاة بجانبه. لاحظ هو ذلك فقال لي وهو يميل على الدركسون قليلاً ليراني، حجزت لك في أول بص صباح الغد أنت والصبيتين. ثم صمت قليلاً. كانت الفتاة باسطة ذراعها على اطار النافذة وقد بان ندب على ظاهر يدها اليمنى. أضاف وفي محيّاه ابتسامة غامضة، ستعجبك يوماً. إنها فتاة طيبة.
    عبر إعتداد بالنفس على وجهها أثار حفيظتي. كان هو أنيقاً ووسيماً بأكثر من ما كانت تقول عنه أمي وبدا أصغر كثيراً من عمره. وهي لم تبعد كثيراً عن الطفولة وعن أن تسبب لي ضيقاً. نظر إليّ وإليها بمرح مفاجئ وقال لي، تعال من هذه الناحية.
    قفز خارجاً من السيارة ودعاني أن أقودها. ترددت وكان يعرف أنني ما فعلت ذلك في حياتي بالمرة. قال لي، يا أخي (سوق)! هي فرصتك لتتعلم القيادة.
    فتح باب السيارة الخلفي وتبعته هي. جلسا ورائي ينتظران أن أتولى القيادة. قال لي وهو يميل نحوها، هيا يا صاح! لأول مرة في حياتك، ولاندروفر. فقط تذكر هناك فرامل وبنزين وعصا تحركها. أمر بسيط. هيا.
    كدت اسأله لماذا يستعجلني لكنني أدركت بلاهة السؤال. إنه يومي الأخير معه.
    *
    واجهت الحقول الخضراء أمامي بسيف مشهر وانطلقت كأنني سائق مخضرم. لم أهتم بالمزروع أمامي ولا المرعي. كان الغيم يجري أمامي وفوقي كأنا نتسابق مَن يدق نحاس الشفق قبل الآخر. بينما قررت طيور أن تستأنف نزهتها لاحقاً. وفجأة انتبهت للمرآة. كانا في عراك محموم.
    اتسع صدري للدنيا كلها في تلك اللحظة. قهقهت بجنون للظلال المسرعة. كانت السيارة مثل جواد مطّهم بالدهشة. غفرت له أمر الفتاة وجرأته. أن يقبلها في حضرتي. بل أحسست أنني أقود سيارة محملة بقبلات العالم كله. وكانت خراف وماعز وأشجار صبورة تقف على جانبي الطريق. تنتظر مروري. لم تبد الطبيعة قلقة ومنفعلة. كان كل شئ في مكانه الصحيح من نبض قلبي المتسارع.  
    وظهر اللاندروفر طافياً فوق البلل. أحسست بالمغني يقترب من ورائي.
    قال، يبدو أنهم وجدوا لك مقعداً في بص ما بعد الظهيرة.