Sunday, 11 September 2016

ونذكر سين

ونذكر سين
سردٌ أقصى حريٌ بذاكرة قصوى

**********

أطلت مكوثي بها بعدك ردحاً وكنت ظننت أني، قبلك، ذاهبُ.
وأنت الآنَ هناك، هناك، تلحُ عليّ بأسئلة النار.
ألا تكف عنها يا غريبْ؟
حتى وأنت بين يدي مليك قهارْ؟
ألا إنك في مأمنٍ من سهامي أكيد. ليس كما كنت، سابقأ، تنال عقابك مني سريعاً على أخطاء تسميها صغيرةْ، ونذهب بعدها، أنا وأنت، نحو حلوى طحنية، نحو فولٍ على البازار.
أم نحو هُزال الغزَلْ وغزَل الهزلان؟
تقول لي، بناتُ "الأحفاد" يخفن انتظارك وكذا بنات "كلية المعلمات".
حسنٌ، حَسن. ولكني أخاف حَسن(1) وليمونه القشعري أكثر من خوفي على ما بدا لي كشيئٍ بلا كيسيّ صَفن!
وكنتَ تقول لي: عيبٌ، فهذا شعارٌ مجلسنا البلدي.
كنت أقول لك بل هو ما نصب الاغرابُ فوقنا حين أزف رحيلهم لنذكرهم بغيظْ،
وتضحك.
كان يسرك أن أقدح في بريطانيا العظمى وكنتَ تشكر أنت روسيا بلشفية.
كنا نخاف كذلك خ، ويصعب وضعها بين قوسين،
فالشداد شدادٌ حتى على اللغة.
ودعنا الآن منها فهي قصوى، حريٌ بها السرد الأقصى.
كذلك كنا نخاف ونهوى تلك البنت سلوى. أتذكرها؟
كانت تمر كمر الغمام على شارع الموردة فننسى أنه الحرُ أمضّنا أو أنه كدر الطرماج وربما هو أيضاً ضراط "سلاطين". في الحقيقة كنا نخاف أن لا ترانا أو أن ترانا كنملٍ شقيْ. نخافك سلوى أكثر من مخافتنا من القاضي حبيب.  
أتذكر هذا كله؟
أتذكر كل هذا ؟
لا ...بجد، أتذكره؟ لاني أعلم أن ليس هناك في عالمك الجديد مثله.
ليس في عالمك أن تخادع سائق تاكسي وتستدرجه، منجعصاً على المقعد الخلفي في السيارة، لمشوار ستأخذه الخالات منتظرات، وتنزل عند باب البيت، فتهرب من فناء لفناء عبر نفاج وأبواب سرية ويركض السائق المحنوق عبر مفازة الأهلين، وتلحق أنت أن تهرب.
ليس هناك في عالمك مثل حكايتي هذي فما آنست عندك؟
أفاكهةً وأبّا؟ أم حدائق غُلبا؟
وتسألني أن أفتح الملفْ.
لكنني متشكك
في دقة الاحداثِ والصدفْ.
وأنت الذاكراتُ على ضفاف الأمسِ كنت ونيسها الأكبرْ.
أخي، لديك مطلقُ الأبدْ. فلا تكلفني شططاْ وتذهبْ .
سأذهبُ. يكاد عقلي يذهب.
وهل اذهبْ بغير تذكرٍ طفيفٍ للطوابع الانيقةِ التي احتازها حمد؟
كنت تقول إني لا أدانيه، فهو يذهب خلف كبري النيل الأزرق، في مضارب الفرنجةِ والشوامْ،
وأذهب أنا إلى الملجا وسوق الهنود حتى أشم رائحة السعوطْ أو تركض نحوي عفاريت الترامْ .
كنت أنت بلا هواية.
تذهب للنهر متى تشاء. وتصطاد الطيور خلف مبنى اذاعة ام درمان.
كنت أدس ألبومي باعزاز وفخر، وتشهر أنت في وجهي "قلّوبية" صدئه
أو نبلةً بلستكي طيران(2)
لم تكن تلك هواياتْ. فما جدوى أن تشوي طائراً في حجم الدوري ود ابرق؟ ربعُ لقمةٍ سائغةْ أو حتى أقلْ. لكنها كبرياءُ الصائدينْ.  كذلك أين كانت الهواية حين قطعتْ نهر النيل سابحا حتى الجزيرةِ توتي ونحن نرقب بين ذعرٍ وانبهارْ ورجعت، يومها،َ مزجورا على مركبٍ ألح صاحبها أن يأخذك لأهلكْ لولا أن قلنا له: لا أهلْ لك، يا عمنا والله لا اهل له. حيلةٌ مررها أصغرنا وهو بعدُ في لباس داخلي لم يجفْ. فغادرنا الريسُ مغاضباً يضرب بعصاه النيلْ، وكان فيه مسٌ من محَسْ.
هل يستوي جمعُ الطوابعِ والشقاوات العديلْ؟
صحيحٌ أن طابعَ فورموزا كلفني رهقاً ودقْ.
لكنني تمسكت به كنزًا عزيزًا كالحَدقْ.  
إذ لم يك في أم درمان كلِها من حاز مثلي طابعاً لهذه البلد.(3)
و...تسألني أن أفتح الملفْ. و ذاكرتي قابلةٌ للطرقْ.
يستوي فيها خيالي والمدّونُ. لاتَ فرقْ.
ذاكرتي تجيبك عن سؤالك في طشاش عن السينما وزمجرة الرغائب بالذهاب.
حسنٌ. كيف كان عبورنا لخور أبوعنجة على ما قيل عنه: ربابيطٌ، ملاقيطٌ، عفاريتٌ، على شكل ذئابْ. وكيف شققناها أزقة بانت عابرين على شوكِ التهجس بالتحرش، لأن الدنيا وقتها كانت أقاليماً إذا لو كنت ذاكرْ. كانت بها شبهة قرابة بالكلابْ. فكلُ حيٍ فيه كلبٌ يزدريه عبورُ كلبٍ ليس منه. وتلك قاعدة رعيناها على ما تطلبه الأمر من عقف الأذانب.
لكنني، فوق ذلك، لم أكن أحبها سينما بانت لأنَها يرودها رهطُ العساكر. لم أطق سينما العساكرْ. وما ذهبتُ إلا لأثبتَ لك أن فوندا(4) هو الشريرُ وجيمز ستيوارت كان البطلْ، كان الملاكْ. على عكس ما عرفنا. وكنتَ تقول باستحالة ان يكون فوندا هو الشريرُ. صحيحٌ، كان أغلبُ أفلامه، صديقاً للبطل أو خائناً أشرْ لكنه، في خاطري، كان دوماً بطلْ، لكونه كان والداً لجين(5)، وللسينما مشاويرٌ سنذكرها. بانت، العرضة، برمبل- قديس- ومن ثم، البلو نايل، وطنية غرب. رطانةُ عاشقين. الحبُ يعني ألاّ تضطر لأن تقول إنك آسف. هل كل هذا، تذكره هناك، حيث نهاية التاريخ والسينما أم أنك مكتفٍ بتذكر سين؟
ونذكر سين.
نذكرها على مر السنين.
نذكرها لكي نجيب الاسئلة، أو أننا نزكي الترهات، أو نذهب إلى المحطة الوسطي، كي نجلب عاملاً لان الدنيا قبايل عيد. أتذكرهم، أمام قهوة شديد؟ يجلسون من فجرٍ لأن الرزق، وقتها، كان يوزع في الصباح ليس كما هو الآن يوزعه ابناء كارليوني من قبوٍ أسفل المرقص(6)  و تسألني عن كيف تم كل ذلك. كيف تم عقد قراننا بالمعرفة؟
إنها السينما، خلعتْ علينا رداء الزهو مصحوباً بموسيقى. أتذكر كم عرفنا منهمو، مَن يصنعون للرؤى موسيقى، حتى أتاهم من صنع للحن رؤاه(7) بل صنع رؤيا من موازير الغناء. هل رأيت الصاوي(8) يتلو عليك أسماء من ألّفوا الموسيقى لقتل طائر ساخر أو حتى لجملة ما أتى من لدن جيمز بوند وصانعه فليمنج. في مشوارعودته لبيتهم بالموردة، يماطل الصاوي الظلامَ بالرؤى، أتى بها، ويصغي، لمّّا يزل، لبداية الدور التاني وفيه، كما روى، شيئ من الحسد. في جيده شيئ من حسد، الدنيا كانت امتحانات لكننا لم نكن نصدق ان دخول السينما مضيعة لوقت. كنا ندخل السينما لان الفيلم موسيقاه من صنع برنشتاين أو جولدسميث أو موريس جار. ولكنك بالمناسبة لم تكن تحب مارلون براندو وجيمز دين، رغم علمك بيسارية مزعومة، كما عرفنا بعد عهد وزمان، للمعلم اليا كازان. ولم تكن بمأمن من براندو ودليلي على ذلك التي شيرتك الأسود.
لم أدر كيف حصلتَ على ذاك القميصِ الاسودِ؟ من الطوخي أم الزيات؟ أو هو من حسن صالح خضر(9) وتضحك سعادْ لفظاعة تخميني، إذ لايبيع هؤلاء السادة ملابس، فهم تجار خردوات. ولم تُذهب سخريتها مني قولتي بانهم قد يفعلون ذلك في الاعياد. بل ردت الأمر إليّ فقالت، أنت ما أدراك؟ وهل كانت مشاويرك إلاّ مُطرّفاً بالسوق كي تحضر لأمك قرص بقانين ومبتعداً عن نيوب الليث في واجهة المكان.
كانت سعاد قد بانت من تحت ترابيزة المكوه لتشهد مبارزة محتملة بيني وبينك على غرار ما رأته منا حين لعبنا فيلم الضحى الاعلى، (10) فهي تدري أنك لا ترضى الحديث خارج ألعابنا عن تقليدك أبطال السينما، ولكن رويدك يا صديقْ فذلك القميص الاسود هو نفسه ما كان قاشراً به براندو في فيلمه العجيبْ الذي وصفته بأنْ ليس فيه سوى غرابة اسمهِ، جاك ذو العين الواحدة،(11) وحتى هذه ترجمها ذلك الخطاط ذو الشعر الكثيفْ الذي كان يكتب أسماء الافلام، ترجمها بتصرفٍ قسوة الانتقام واستوى على غبار الطرقات يدعو الناس من على عربةٍ يجرها، في سرهِ، حمارْ، أيها الناس هلموا. إنه أقوى من صراع في الوادي وأقوى من جانوار،(12) ثم لا ينسى أن يأخذ فص عنكوليب أو مخروط داندُرما نظير وقفةٍ مرموقة عند باب السينما!
أنت الآنَ بعد ان تغدينا وفرغنا للبرنامج الاوربي ما بعد نشرة الاخبارْ أو لفيصل النور التجاني(13) تخرج للفناء الخلفي بذلك التي شيرت وتجلس تحت الشمس تلقط بالملقاط حباتِ الشباب، رغم تحذير الوالدةْ. ألم يفعل براندو نفسَ هذا الشئ في فلمهِ؟
ألا إنك في مأمنٍ من سلاطتي، وليتك كنتَ هنا لتسمع وصفَ شخصٍ اسمه دريدا لحرب الخليج. ألم يقل إنها ألعابٌ تلفزيونية؟ بل قال آخرٌ إسمه بودريار إن التلفزيون هو الذي يشاهدنا، بالغَ هذا البودريار أليس كذلك؟ ولكن دعك منهم فلن تهمك تعقيدات ما بعد الذهاب.
أتذكر سين؟ وأنا وأنت وآخرين
وأخريات
والحفلة كانت ب"عوض الكريم". صبحيةٌ أخرى جريئة من صبحيات أم درمان، مفضوحُها الصبُ والصباتْ، حيث لا ليلٌ يسربل النظراتْ ولا يعلو على روؤس الجرتق غير فوح الأماني الضارياتْ، واما القيزان فيضايرنها الخالات.
بالله عليك دعني أحكي لأن جوهر انقسامك عني، قبل زمجرة التناتوس Tanatus، يتحسس الباحث بعضاً منها في ما يلي وما هو آت.  فسين، في حمى تخبط الوجد النهاري على الملأ، لم تكن لتتوقع، سين مين، بل أي إلاهة بلا أعباء Goddess at large لم تكن لتتوقع أن تطلب منها أن تجلب لك (لقيمات)، يا إلهي، أذهلت كيوبيدَ واللهِ.  نقل الإسعافُ إلاهة الحب مغشياً عليها. لقيمات؟
أنا لا أشير لصعوبة جلبه، وقد لملمتِ الخالات أقداحه، بل أشير لطلبه. لم أدر كيف يجرؤ أحدٌ أن يعطب وَجداً بدهنٍ تنز منه لقيمات؟ وهذا لو حدث بعد سنين لكنت قلت عليك وأنت تطارد في المرآة تلك الحشرة المسئولة، في زعمك، عن حَب الشبابْ، ولا وجود لها، لكنت قلت: إنها الواقعية. من الواقعية الاشتراكية أن تطلب من حبيبة مرجوة، تراها لأول مرة في بيت عرس، أن تحضر لك شيئاً من جوا، من باطن عقر المضيف.
في ذلك اليوم ذهب مرتضى دون أن يأخذنا معه. أتذكر؟ ربما باعنا مرتضى تلك الليلة من أجل نورا وهي لم تكن تحبه وتزوجته زورا، وهما الاثنان للمناسبة في نواحيكم إثر حادثٍ مشين. أقول ربما باعنا وربما طلبت منه سين أن يتركنا لها، هكذا كانت تريدنا جمعاً، وليس مفرَدينْ. يتركنا لها. وما لم تفهمه، يا بعيد، هو أن سين لم ولا تحب القسمةْ.
قلت لنجم، وأنا أبحث عنك وسط أولياء الطشمة، قالت إنها تحبه. فقال لي، دي؟ أم مخاخيت دي تحب شنو؟ كان قاسياً كعهدنا به اذا ذكرنا الفتياتْ، أتدري أنه تزوج، قال، لأنه لم يجد جميلةً في قبيل العاهراتْ. وكنت سأدافع عنها وأقول إن المخاخيت توقفت لعلاقة عكسية بينها والنهدين لكنني رأيت لحظتها البراقْ.  نعم البراقْ.  ذاك الذي أخذتنا فيه حتى بيتنا ومررنا به فوق سيارة مرتضى فرمَتك سين بنظرة سنينة لأن مشهد نورا كان قد خلبك. كانت نورا بأضواء المساء محضورة.  فقلتَ أنت، يا لَلجمال.
بأبي وأمي أنت يا أخي، معاكسَ النجماتْ،
من المناسب أن أحكي لك ما سمعتَه من قبل ولم تصدقْ بل ما فعلته أنت نفسُك ولم تصدقَه لأنك الآن في مقعد صدقٍ لا يحتفي ب ولا يحتوي ابعادْ.  فتقبلني بعرفانٍ أخاً لك من إرما أم قدودْ التي ليس بها غير الجوى وهوان العهود.  
ما حدث ببساطةْ هو أنني، عندما عثرنا عليك، علمتُ منك أنك ذهبتَ مع أولاد ود أرو وأعادوك لبيت الحفلة في حال يسهل معها تصور البراقْ وغيره من العجائب الممكناتْ لكنك عقلنت سطلتك وتذكرت سين.
سين هذه التي سبها نجم الدينْ وهي أطعم من زوجه البدين. سين، يا عزيزي، أقوى من الدهاقنة السلاطين وأرق من نسمة كما قالت ستنا أم كلثوم. لكن نجماً وأمثاله وحتى أنا وأنت وسائر العباد لم نُعطَ من عرفانها بأكثر من بقعة أو بقعتين على غلاف مجلة الشبكة.
ذات مساءْ كنت بشارع النيل، بصحبة امرأة لا أعرفها فإذا بي أشوف لك سين، تمشي غير بعيد عن مجلسنا وبصحبتها رجل لا أعرفه. لا تبتئس، فمقصدي من الحكاية أعمق من أن يكدرعليك أبديتك الوارفة. وبشارةً بذلك هاك فزورة أعطيك لحلها مهلةً سبعينَ ألف سنةً ضوئيةْ، إن كنتم هكذا تعدون. أو في رواية أخرى: الفورةَ عندكم بالفرسخ والهكتار، وما وسعت رحمته الواحد القهارْ.  كم عدد من لايعرف بعضهم البعضَ حتى الآن؟
......
كذباً كاذب، ثم فيما العجلة؟ أم تراك شرعت في أسطرة البرزخ بحسابك الذي حررته كما زعمت من سطوة ارخميدسْ وذهبتَ قبل أن تشرح لي لماذا نغيّر اسم شارع الزبير الي شارع كوبرنيكوس، هذا الذي ظننت أنه بائع جبن رومي على تقاطع الجمهورية والقصر.
عندما رأيتُ سين ومن معها، المرأة التي جلستْ معي، على زعم المساجْ، تجشمت شوك السياجِ وأدبرت. ورحتُ أنا في حمّى استجوابي المفجوع أشربك أطراف الحديث. كان استجواباً ضافياً ذا نتائجَ باهرة، فلقد نفتْ سين أنها هي سينْ رغم غباء من معها إذ تدخلَ كي يؤكد أنها هي سين وماذا سأفعل. وتم تبادل نظرات حدرة، ليس بيني وبينه، بل بيني وبين سين كأنها تسألني عن رفيقها، ما به. وكانت حجتها القوية أنها هي سين ولكنْ ليست سين التي أعرفها. وهنا انبسط صاحبنا معتبراَ هذا القول انتصاراً له. وهي لم تكن سوى منكرة وتدري أنت إنكار البشر. أتذكر مختار حينما ضبطه والده يدّخنْ في الديوانْ وما كان منه الا أن قال: يا أبي هذا ليس أنا. فصاح الحاجُ والده: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وخرج. ومختار، فيما بعد، قال إنه كاد يشعلها مرة أخرى نشوةً وانتصاراً.
حقيقةً أعددنا خيالنا لفادح الإنكار. فارجع لسنوات الطفولة. هل تذكر ربيعْ الذي هو الآنَ اخصائيٌ تليع؟ كان معنا في روضة بِسمِّلا(14) أنت لم تكن معنا طبعاً ولا أذكر لك روضةْ. ربيعٌ هذا فعلها يوماً في الفصل وتوكلْ. وكادت المعلمة أنت تقضي رائحةً،لولا أن قامت، وبعملية تحديدِ موقعٍ أنفيةْ، وحددتِ الكنبةَ حيث جلس ربيع وتقدمت بحذر فشافت البلل وأخضر الضبابين، لكنه أجاب على سؤالها، أنت عملتها بأن قال بعزة عجيبة، لا، ما عملتها.
ولا زلت أعد إجابته تلك من خرافات ما قبل المدرسةْ ومن أقوى الاجابات!
ونرجع لسين. فهي قالت إنها هي، الآن، ليست بشْر. أرأيت مثل هذا إنكار؟ لا، وقامت مثل شوارزنجر، أتذكره في فيلمه ذاك، حين خلع عينه أمام المرآة ليصلحها لانها اصيبت؟ فمثله قامت سين فكشفت عن جيب بلوزتها فرأيت هناك سوستة، ليس في البلوزة، بل في ما بين نهديها وقالت لي: أنا أندرويد.
قلت لها: اندرويد؟ لا بالله؟ يعني عشان زريتك مع واحد تاني تعمليها لي خيال علمي؟
قالت: أنا ممكن اقلع ليك قلبي تشوف الفيوزات الفيهو وترجعو.
قلت لها: تقلعي لي قلبك؟ إنتِ رجعتي القلوب القلعتيها؟
ولم يكن فينا، بعدُ، أندرويد. وصدّق أنه لم تكن هناك فكاهة. فأنا انزعجت من الثقة، انزلقت في مرونة الخيال. ورغم ذلك فسين لا تكذب فهي ليست من نسلنا، ليست من نسل آدم. وهي التي علمتني كيف أميّز بين نسل آدم وأنسال أخرى ذكية. وللمناسبة فلقد تزايد عددهم بقدر مذهل بأكثر مما كان في أيام محاولاتك أنسنة بعضهم، تلك التي انتهت لكوارث لا زلت أحفظها عن أعين المتطفلين، ولن آتي على ذكر تفصيلها لأحد. ولكن، سألتها، من هذا الأحمق الذي (كفشتها) معه.  قالت: آه إنه لايرى. واضافت: لم ير ما أطلعتك عليه لتوي! ثم بقوة قالت: ألا تصدق ما أقول!
والتفتْ نحوه وقالت: أنظر لوجهي يا عولاقي.
فنظر الأبله ملياً ورفع كتفيه دون أن يبدو أنه رأى شيئاً.
كان ثمة دودٌ أخضر يخرج من بين عينيها. وكانت تأخذه بحنان ورقة وتضعه على النجيل فيختفي ولكن ليس بالضبط في هيئة دود بل في هيئة لا يملك وصفها أي تعبير. قالت لي: ألم أقل لك أنه لا يرى. ويحيا بجسد ذي علاقة غريبة مع الذاكرة. سرعان ما تنمحي وتعود بكراً، والآن سأرديه إلى نشء جديد. إنه كائن يتغذى بالموت. هكذا قالت ولا تسلني كيف، وأنت أدرى. وبدأ الرجل، أو ربما ذلك الشخص، خروجاً بصدى الحلزون يطرق أذني، ثم إذ به بعض حفيف على ورق الشجر.
تبسملت وقلت: يا سين أنت كإنسانة، تصلحين. أرجوك تعاملي معي كبشر.
فسألتني منك، قلت ابعثي له عولاقي، قد يأيتك بالخبر اليقين. تسأليني عنه وأنت من الغيوب تقتاتين؟ قالت: سألتُ كما تريدُ، كما البشرْ. وكنت كمَن يريد ولكن تأخر.
قلتُ أنا الذي يحتاجه فهل تأتينني به، هل تقدرين؟
وحين قالت: بلى، شهقتُ فحط شرطيٌ قبضته القوية على ذراعي. أول ما ذكرتُ أننا كنا في شارع النيل ليلاً. وتلك ساعة يتلمظ مرأى النقود فيها أيُما عسس!

*

يا حبيباً بتُ أشكو حرقة الوجد إليه، بلغني بأن على جانبكم من الحياة معارف جديدة، وربما مراجعات كنت أنت الأكثر حدة تجاهها. كنتَ لا تحب المراجعات. فهل أنت الآن أفهم مما كنت عليه معنا؟ هل أنت تفهم بشكل مختلف وأحسن بحيث أن سخريتك من (سين) للحد الذي جعلك توظفها لتلبياتك التي لا تشاركك فيها هي وبلا أدنى مكافأة منك لها على صبواتها، سخريتك تلك لا تزيد عن أن تبديك في صورة قديمة وآسرة  لزاهد فقيد وأنت الآن لا يرضيك تمرينٌ يتراخى فيه ارتداد الطرف ليبصر عودتك؟
وان كانت لك وصايا تردي بها سين لعالمنا من حين لآخر، وبتجاوزٍ لا تخطئه العين، عن وصل حميم لها مع شخوص غاربة فلماذا لا تزوّدها بوصايا لنا لا تسندها اجهزة حتى لو جاءت من وزن وصايا الأرض في ريش الحمام؟ أو من فضةٍ، زبدٍ وشوقْ، أو ما تشاء؟
هذا النص، وآخر سابق له، لن يوفيا تذكري لشقيقي حافظ مدثر.

حواشي

------------------------------

(1) صاحب كشك لبيع عصير الليمون امام محكمة ام درمان الشرعية.
(2) النبلة هي مفردة النبال كما في قول خليل فرح: نحنا النبال. وهي أداة لصيد الطيور تصنع من سيرين يقطعا من لساتك اطارات السيارات ويربطا على عود بشكل Y وكان منها نوع مصنوع من سيور قيل إنها من لساتك اطارات الطائرات فيقولون عليها لساتك طيران بما يعني تفوقها في الحدف وغيري أعلم!
(3)  بلغنا ونحن هواة جمع طوابع أن هاوٍ في نمرة اتنين، ولم نك بعد في سن قطع الكوبري بين ام درمان والخرطوم ولا نرى أن نمرة اتنين كانت أقرب من الحجاز، بلغنا أنه إحتاز طابعاً لفورموزا، وهي تايوان الحالية، فشحذنا هممنا لنجد طابعاً لهذه البلد العجيبة التي دام وجودها كدولة لستة أشهر فقط، ومع ذلك كان لها طابعها زي العجب. وحدث أن عثرت أنا على هذا الطابع النادر في كوشة في ميدان الملجا بسوق ام درمان ونازعني فيها بعض من كانوا معي واشتبكنا بالايادي فدافعت عن حيازتي لها ودام ذلك الصراع قرابة الساعتين، على طول المسافة بين ميدان الملجا وأطراف الموردة الشمالية حيث حي الهاشماب. وكنا نصطرع ونصطلح.  وعند وصولي البيت كان الطابع مكرفس لكن والدتي بحكمتها قامت بكيه لي بالمكواة وهي تآذرني في صمودي بعد الحصول عليها.
(4) فوندا هو هنري فوندا الممثل السينمائي الذى نال الاوسكار عن فيلم " في بحيرة ذهبية" على آخر أيامه.
(5) جين هي جين فوندا إبنة فوندا المذكور أعلاه وهي جين فوند وبس. علم على رأسه نار.
(6) روايات ماريو بوزو مؤلف رواية العرّاب، فيها دائماً رجال العصابات الذين لا ينامون ويصنعون المال أغلب الليل.
(7) يشاع ان ثيودوراكيس وليس كزنزاكيس هو من وضع موسيقى فيلم زد Z قبل الفيلم.
(8) الصاوي هو عبد الوهاب الصاوي السفير السابق ويمكن أن تكون الاشارة معني بها شقيقه الأصغر المهندس مصدق، لا فرق.
(9) كلها اسماء محلات أو اصحابها بسوق أم درمان.
(10) هو High Noon هاي نوون، فيلم كاوبوي شهير بطله جاري كوبر.
(11) One Eyed Jacks فيلم كاوبوي أخرجه ومثله مارلون براندو. تعلم براندو وجيمز دين وبول نيومان وآخرون فيما عُرف بمدرسة الطريقة Method التي أنشأها المخرج إليا كازان في الخمسينيات.
(12) أسماء أفلام سينمائية شهيرة.
(13) معد ومقدم برنامج ركن الجنوب في الستينيات.
(14) مدرسة مس ميللر (خواجية من المستعمرين) وكان الناس يقولون مدرسة بسمِّلا.









Thursday, 8 September 2016

جليد نسّاي 2


جليد نسّاي


قراءة في رواية الرجل الخراب
عبد العزيز بركة ساكن
الجزء الثاني


() هنالك شبهة استلهام، إن كان ذلك ممكناً أصلاً، في مستهل القصيدة، أو الابيجراف، نجدها في أحبولة حكائية صاغها المؤلف حول فكرة وردت في ذلك الإبيجراف، تحكي عن مصير سِيبل Sibyl التي تمنت طول العمر، ونسيت أن تتمنى معه دوام الشباب، فإنتهى بها الأمر إلى وهنٍ تاقت منه لموتها. إنها هنا، في شخص لوديا شولتز، التي قفز عمرها من 71 عاماً "بصورة ميتافيزيقية إلى 103 عاماً"، أو هي أشبه ما تكون بذلك، أعياها طول المكث في الدنيا وصار حالها أشبه بحال لبيد بن ربيعة العامري حين قال: ولقد سئمتُ من الحياة وطولِها  وسؤالِ هذا الناسِ كيف لبيد.
ويتضح لنا أن مضاهاة حساب السن العمرية لا معنى له لأن المقصود هو تبيان قبول لوديا بالموت، رغم خوفها منه، كتحرير لروحها من إسار النفس.
() في فصل سيرة المرأة من الرواية نذكر تايريسياس في قسم لعبة شطرنج من قصيدة إليوت، تايريسياس الذي هو كل النساء وكل الرجال ويرى كل مضامين القصيدة لأنه بحسب الأسطورة كان رجلاً ثم تم تحويله لإمرأة، بواسطة الآلهة غالباً، ثم قفل عائداً كرجل وتنبأ بسقوط طيبة وأشياء أُخر. إنه درويش ونورا في آن وبلا شخصيهما. إن لعبة الشطرنج في القصيدة، بتناولها للحوار بين الرجل والمرأة، تخدم  هنا كمجاز، للعبة الإغواء، وتشير إلى فهم للزواج والجنسانية يتنزل بهما لمجرد أن يكونا جزءً من لعبة استخطاطيات بين الرجل والمرأة، يصبح الجنس فيها مجرد إغواء أو إغتصاب يفضي للإجهاض. والرواية تحدثنا  في أكثر من لحظة من لحظاتها عن الإغتصاب. فهناك إغتصاب نُورا نفسها من أبيها النمساوي، ثم الإغتصابات والإعتداءات المتخيّلَة من قبل درويش لإبنته من نورا والتي أقحم فيها خيالُ درويش آخرين غيره. إن ثيمة الإغتصاب في قصيدة إليوت لهي من أكبر ما إستلهمه ساكن، وسنرى في المقطع التالي من فصل الرواية الأخير كيف أن ساكن، وإن لم يشر إلى اسطورة فيلوميلا، إلاّ أنه رمز إليها بشكل واضح حيث كتب عن خروج درويش في أوج أزمته، هائماً على وجهه و"تمشى في الطريق التي يحبها جداً، بل هي الطريق الوحيدة التي يسلكها للعمل، وهي ليست القريبة أو المختصرة، ولكنها تمر بنقاط مهمة جداً بالنسبة له، أولها ما يسميه شجرة العصافير، قرب مخبز الفلاح،….حيث يسمع فيها دعاء الكروان يومياً وهو يتحاور مع طيور الببغاوات المحبوسة في قفص كبير في الشرفة المقابلة...يظن دائماً درويش أن طيور الكروان الطليقة تضع خطط هروب فاشلة للببغاوات كل يوم…..هذا الشيئ يعجبه جداً ويحزنه أيضاً. يتوقف قليلاً، يترك كل جسده وخياله وروحه لتغريد الطيور. في كثير من الأحيان تسيل دمعة بصورة غير إرادية على خده.." فالإحالة إلى الطيور يقبع وراءها الإرث الأسطوري. وقصة فيلوميلا، التي يستخدمها إليوت للتدليل على توقف الانسان عن إنتاج أرض خصبة كمقابل للأرض الخراب، هي  بإختصار أن فيلوميلا إغتصبها تيريوس زوج أختها، وقطع لسانها حتى لا تحكي ما حدث، لكنها نسجت قصتها لأختها على قماش. وبدافع الإنتقام قامت الأختان بذبح المولود وتقديمه كعشاء لتيريوس، وحين أقدم تيريوس على ذبح الأختين تدخلت الآلهة وحوّلت ثلاثتهم إلى طيور، ربما لكون الآلهة كانت مشغولة بقضايا أهم والله أعلم. فالطائر، كروان أو هزار، هو تعبير عن حزن مركب في نفس درويش، بدأ من ضياعه، مروراً بزواجه غير السعيد وبوساوس الإغتصاب.
يحكي ع ب ساكن في فصل سيرة المرأة كيف أن نورا ودرويش جلسا، في مواجهة عقلية cerebral بحتة، تماماً كلعبة الشطرنج، ليقررا مصيريهما معاً، على خلفية احتياج درويش لها في النمسا، واحتياجها هي لأن تنعم بميراث أمها، التي لم تتركه لها، بل كتبته بإسم درويش. يكتب ساكن "مثل تاجرين متجولين جشعين، جلسنا وجها لوجه، شرحت لي أن وضعي القانوني في النمسا، حسبما عرفت مني بالتفاصيل من قبل، يقضي بأنهم سوف يرحلونني إلى مصر أو السودان ول استأنفت مئة مرة.." إلى أن تقول نورا "والطريق الوحيد للحصول على الإقامة هنا، هو الزواج من نمساوية. وهذه النمساوية هي أنا بالذات."وتزوج درويش من نورا بلا عاطفة، بلا حب.
() على مستوى وصف المكان الذي يتطور فيه السرد، نجد أن ساكن استطاع أن يجد معادلاً لفكرة إليوت، في قسم قصيدته المعنوّن بلعبة الشطرنج،عن زقاق الجرذ إذ يقول إليوت على لسان أحد أبطاله المأزومين: " أعتقد أننا في زقاق الجرذ، حيث فقد الموتى عظامهم"، في إشارة إلى التخثر والموت، بينما يصف ساكنُ مكاناً، أسماه بطله درويش ممر الرجل المقتول، وذلك في فصل، توني لا يكره العرب، فدرويش كان يتخيّل إبنته، غير منزهٍ لها من سقطة ما، أو هو يراها بهاجس يتعلق بثيمة الشرف، "عندما سمعت البنتُ هاتفاً يناديها أسرعتِ الخطى، تلفتت للمرة الأخيرة، ثم مضت في اتجاه الصوت بينما زادت ضربات قلبها، وتعرّقت كفها وهي تحس بنشوة عارمة تجتاح كل خلية من خلايا جسدها، خليط من الخوف والشعور بالأمان، وهو الاحساس المجنون الذي ينتاب المرأة عندما تلتقي برجل على انفراد أول مرة، ذات مساء به نصف قمر، في الزقاق الذي تنمو أعشاب موسمية على جانبيه، المتفرع من الشارع العام الذي يطلق عليه القرويون اسم طريق الرجل المقتول." والمكان هنا مختلفٌ عليه، إن جاز هذا القول، وطرف الخلاف الثاني هنا هو الراوي، ما سنعود إليه وشيكاً. المكان هنا فيه ذاكرة مختلطة، وربما شاحبة، إنه في النمسا لكن السودان يقع بداخله تماماً. هو مكان نقلته لنا حالة الحلم اليقظان التي كان فيها درويش. إنه المكان الذي يتنبأ بمصائر مقبلة. لكن ساكناً لا يتوقف عن صنع مكان لا ينتمي إلى الأحداث الراهنة، فخيال درويش لا يهدأ له بال. نقرأ "كان قد خلد إلى النوم مثل كل مَن بالقرية، ولكنه استيقظ على صوت إبن عمه، الأمين ود النور، يصيح قرب رأسه…" وهذا المكان هو من صنع خيال درويش، فنحن لا نعرف إبن عم درويش الأمين هذا إلاّ الآن ولمرة واحدة فقط. وعندما يتسلل درويش والأمين، في السودان غالباً، مروراً بنورا النائمة على فراشها في سلفالدن بالنسما، يلاحظ درويش الغضب بادياً على وجه إبن عمه وأن شرف الأسرة في خطر، فيقرر بشكل حازم: سندفنهما أحياء. ثم يواصل ساكن في سرد هذا المشهد التراجيدي، دون أن يعنيه نوع الشعور الذي يتولد لحظتها عند قارئه "بينما كان يأخذ سكينته الكبيرة من تحت المخدة، ويمتشق عصاه وبطاريته، خرجا وهما يهرولان في صمت ظاهري وضجيج عنيف في صدريهما نحو الزقاق الذي تنمو أعشاب موسمية على جانبيه، المتفرع من الشارع العام الذي يطلق عليه القرويون اسم طريق الرجل المقتول.
نتناول في المقال الأخير كيف عصفت الطبيعة الهدامة لقصيدة الأرض الخراب ببطل الرواية، درويش، وبالرواية نفسها.

Friday, 2 September 2016

1 جليد نسّاي


قراءة في رواية الرجل الخراب
عبد العزيز بركة ساكن

الجزء الأول


  • أيها القارئ المرائي، يا شبيهي، يا أخي - بودلير، شاعر فرنسي
  • الفكرة الرئيسة [عند إليوت] هي أننا، حتى ونحن ملزمون بأن نعي ماضوية الماضي..، لا نملك طريقة عادلة لحجر الماضي عن الحاضر. إن الماضي والحاضر متفاعمان، كلٌ يشي بالآخر ويوحي به، وبالمعنى المثالي كلياً الذي ينتويه إليوت ، فإن كلاً منهما يتعايش مع الآخر. ما يقترحه ت س  إليوت بإيجاز هو رؤيا للتراث الأدبي لا يوجهها كلياً التعاقب الزمني، رغم أنها تحترم هذا التعاقب. لا الماضي ولا الحاضر، ولا أي شاعر أو فنان، يملك معنىً كاملاً منفرداً- إدوارد سعيد، استاذ الأدب الإنجليزي
  • الطريق إلى الحقيقة يمر بأرض الوساوس - شانون برودي، عاملة صيدلية.


  1. يبدو مفارقاً، بل غرائبياً، أن تُهرع لقصيدة ت س إليوت (الأرض الخراب) كي تعينك على فهم استلهام عبد العزيز بركة ساكن لها في كتابة روايته القصيرة، الرجل الخراب. فالمفارقة هي أن القصيدة المكتوبة في 1922، وبما عُرف عنها من تعقيد ووعورة، تحتاج هي نفسها لعشرات الشروحات، لكونها مغرقة في الإحالات لتواريخ وثقافات وأديان، بل ولغات أخرى غير لغتها الانجليزية. وكان هذا النوع من الكتابة القائمة على الاقتباس والتضمين من ما ميز شعراء الحداثة النشاط في بدايات القرن العشرين. والغرائبي أن واقع الرواية يشتمل على مَن لا يستحسن القصيدة وهو أوربي، نورا زوجة الشخصية الرئيسة في الرواية، و مَن تجري أبياتها على لسانه، مستشرفاً لها، وهو درويش الأفريقي، الذي لا نتوفر، من الرواية، على ما يدلنا على أنه متراصف ثقافياً مع انسان القصيدة. إن السؤال عن قيمة استلهام قصيدة الارض الخراب في هذا العمل الأدبي لبركة ساكن يبدو معقولاً أيضاً، لكونه ينطوي على مفاضلة بين مرجعييتن نقديتين إحداهما تمثلها حداثة النص الروائي قيد البحث، إرتقاؤه على صعيد التعاطي مع تحولات روح العصر وانتقال الثقافي فيه من النخبوي إلى فضاء المُتشارَك، اليومي.  إذ أن نص إليوت مغلق تماماً وغير معني به القارئ العادي بينما نص ع ب ساكن متحرك وجل عمارته من اليومي، المُدرك بيسر. والمرجعية الأخرى هي مرجعية القفزة إلى الوراء، إلى قتامة أجواء ما بعد الحرب العالمية الأولى، تلك التي يوفرها نص القصيدة الحريص على تكريس فهم قدري وكارثي للحضارة الإنسانية. ولست من التقتير بحيث استكثر على الروائي إرادته أن يكون عمله ذا سياق حضاري موشى بعبارات مفتاحية واشارات أو كليشيهات تخاطب  ذهن القارئ العصري على النحو الذي تشير إليه قراءة ادوارد سعيد لإليوت في الاقتباس من الأول أعلى هذا المقال. على أن قيمة استلهام قصيدة الأرض الخراب أمامها إشكالات أخرى ترتبت من كون القصيدة، من كثرة إحالاتها ومتحها من المتخيّل الديني، جاءت بنبوءات لم تتحقق، فليس هناك أبراج تداعت أو شهوات قُوّضت. بل يمكن النظر للقصيدة الآن كمجرد نص حداثوي يصف التحولات في العقل الغربي أوان ذاك، جراء ثنائية التشظي الشخصي والتشظي الأكبر، الحضاري بسبب الحرب الثانية. ونجد أن هذا الاستلهام مشار إليه في الblurb أو التعريف بالكتاب المكتوب على غلافه الخلفي وهو تعريف غير ممهور بإسم مَن كتبه نقرأ فيه "مستلهماً رائعة ت س إليوت، الأرض الخراب، يرسم الروائي السوداني البارع عبر تقنيات تصوير وتجسيد فريدة ومبتكرة صورة الرجل الخراب، لنرى كيف يصيب الخراب رجلاً بأكمله..". فأمر استلهام قصيدة إليوت ليس شيئاً يسيراً يُترك لفطنة القارئ لأنه  استلهام عابر من جنس أدبي لآخر. والقصيدة، أية قصيدة، "لها جنسها المستقل عن الشكل والواقع التاريخي".
2- يكتب بركة ساكن في الفصل الأخير من  روايته "...والقارئ الحصيف هو الذي لا يترك مجالاً للكاتب أن يدعه يخمن نهاية الرواية، والكاتب الماكر مثل السياسي العجوز يتلاعب بالبيضة والحجر في الكف ذاتها. أما الروائي الذي يتعجل نهاية الرواية ليحرر نفسه من أجل أغراض أكثر أهمية- في ظني، وليس كل الظن إثم- فالموت أولى به" وأياً كان المعنى الذي يستوقفك من هذا الكلام فإن من باطنه، على أقل تقدير،  يأتينا الإذن بكتابة ملخص لا يفسد على من أراد قراءة الرواية شيئاً ولكن، قبل ذلك، فإن لي وصفاً  لتلك اللحظة من الرواية التي خاطب فيها المؤلف قراءه في ما يمكن أن يُعد نوعاً نادراً من أنواع الخطاب الروائي، وإن كان وصفاً بعيداً عن عالم الكتب لكنه يشير للحظة سميكة في لا تلقائيتها، وهو أن ما حدث ما حدث في الرواية مشابه لما كان يحدث في العشر دقائق الأخيرة من عمر أية مباراة كرة قدم ساخنة في أستاد أم درمان قبل عقود خلت، حيث كان ممكناً آن ذاك أن تدخل المباراة، مجاناً في تلك الدقائق، لتشاهد الهدف الوحيد، الذي دفع له الناس ثمناً، ثم يئسوا وخرجوا قبل إحرازه. في تلك اللحظة الشبيهة من الرواية قرر ساكن أن تنفتح أمامه كل النهايات الممكنة، أو أن يحوّل روايته إلى ورشة عمل ناجحة، وسنرى إن كان في ذلك خرقٌ  للفعل الروائي في ناحية من هذا المقال.
الرجل الخراب، رواية عبد العزيز بركة ساكن، الصادرة عن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة لسنة 2015، والتي تقع في 112  صفحة، تحكي عن  درويش، المولود لأب سوداني من أم مصرية، والذي يذهب ليعيش في أوربا وفق ذرائع دارجة، وهناك يعمل مع  مخدمته  النمساوية التي تموت تاركة له ميراثاً وابنةً يتزوجها، وينجب منها إبنته. ثم تحدثنا الرواية عن أول لقاء، وما أعقبه من  تداعيات، بين درويش وحبيب إبنته، وتشرح لنا كيف تفاعل درويش، السوداني المصري، حيال علاقة إبنته بحبيبها النمساوي.
الرواية مكتوبة بلغة سهلة ومصاغة من فسيفساء حكايات الهجرة والإغتراب، من أضابير وملفات قصص (حالات) اللجوء
السياسي  التي حوّلت واقع الناس إلى نسيج حكائي كولاجي مشغول من إلتماعات قطع وشظايا التجربة مهالاً عليه جليد نسّاي ، بتعبير إليوت نفسه، forgetful snow يغطى تحته كل التفاصيل كتركيب synthesis جديد لميلاد آخر، ومن فكرة التركيب الجديد المطمور تحت الجليد هذه أخذت عنواناً لهذا المقال، فالجليد ينسى دائماً أننا عائدون إلى الحياة وأن قسوة إبريل هي مصدر غبطتنا. ومن هنا نتعرف على أول تشابهات الرواية مع قصيدة إليوت. فإليوت يقول في قصيدته: son of man/ you cannot say or guess, for you only/ know a heap of broken images
وبرغم خطورة أن يكون في بناء السرد على هذا المنوال،تعريض له لأن يكون سهل التكهن بمآلاته predictable، فيذهب سره، إلاّ أن ما يُدهش هو أن ساكن لا هاجس له تجاه هذا التكهن، كما أوضح الاقتباس منه الأخير. بل إن الرواية تمضي في حبور نحو أن لا …..تكون رواية.
سنلقي نظرة متمكثة قليلاً على بعض شواهد الإستلهام من قصيدة الأرض الخراب في صناعة رواية ساكن.

() تقول قصيدة إليوت إن الشهوة هي أساس المعاناة الانسانية وتعرض لنا أمثلة عابرة للتخثر الأخلاقي، وللمصير الكارثي للحضارة الانسانية أوان ذاك ثم تطرح في آخرها خارطة طريق للخلاص من خلال تحقق ثلاث تأويلات للحالة الانسانية، أخذها إليوت من أناشيد الهندوسية Upanishads.  لكن الرواية، بينما هي لا تقدم خلاصاً كالقصيدة، تستخدم نفس فكرة التأويلات الثلاث لشرح مصير بطلها عن طريق ثلاثة شخوص غير رئيسية فيها. ونلاحظ أن قسم القصيدة الأول المسمى دفن الموتى، من أصل خمسة أقسام لها، هو الأكثر استلهاماً حيث نقرأ فيه عن ماري التي خافت من السقطة وتحررت فتذكرنا بمدام شولتز، مخدمة درويش النسماوية في الرواية، ثم نرى مدام  سوساستروس، النبية الكاذبة التي تنبئ بالموت غرقاً، فنتذكر نورا إبنة مدام شولتز التي تزوجها درويش لاحقاً، على أن لنورا حضوراً  آخر أهم في قسم آخر من القصيدة. ونتذكر أن أول شيئ فعله درويش بعد موت مخدمته، هو أنه تخلص من كلابها، مستشرفاً نصيحة إليوت في نفس القسم الأول من القصيدة حين هتف بشخص قابله في الطريق اسمه استاتسن، ينبهه بالتخلص من أي كلب يمكن أن يقوم بنبش جثة الميت، قبل أن يحين ميعاد قيامته، لا أحد يدري من هو هذا الميت، وذلك لأن الكلب وفي لصاحبه. فدرويش لا يود أن تزول نعمة ميراثه لمخدمته بعودتها إلى الحياة، لكن أمامنا أيضاً خيار أن نفهم أنه تخلص من كلاب السيدة شولتز لأن ثقافته الاسلامية، نوعاً، ترى في الكلب نجاسة. وفي تقديري فإن هناك استلهاماً شديد الإبهار، من هذا القسم الأول من القصيدة، لكنه أيضاً بالغ المواربة، يتمثل في مشهد السواح الآسيويين والطريقة التي وصفهم بها ساكن. فهذا المشهد هو اعادة كتابة لما خطه الشاعر إليوت عن المشهد فوق جسر لندن، لندن بريدج، ووصف الناس المتحركين فوقه كالأموات كلٌ ثبّت عينيه على قدميه. فإليوت تحدث عن إخاء أو تجاور انساني زائف يوّحد المارة، إخاء متناقض، بل هي عزلة فكلٌ مع نفسه فقط. يكتب ساكن في فصل سيرة المرأة "كان السواح الآسيويون يعبرون صامتين، يصوّرون كل شيئ…إلخ المقطع كله" فالعزلة هنا أيضاً كيثفة والكاميرا هي نفسها منظور لا يشاركك فيه أحد. وكلٌ أخ الآخر، لكنه إخاء زائف، وبهذا الفهم لتمهل ساكن عند مشهد السواح يمكن أن نجد صورة معادلة وحاكية بصدق، تماماً كصورة إليوت في القصيدة.
() نواصل



Thursday, 18 August 2016

وضحك الأفغان

========

الأسماء في هذه القصة مستعارة

احتفلت السيدة سيمون لتوها بعيد ميلادها الثمانين ومهرته بأعلانها عن امتلاكها لقوة عضلية غير مسبوقة. قالت إنهاأقوى من أي رجل بما فيهم (الدرقيست) ذاته، كما كان يحلو لها ان تناديني. وقالت إنها نزعة جديدة. بل أضافت أنها لم تكف عن مكابدة النزعات. قلت لنفسي، نزعات في الثمانين؟ يا له من أمر يدعو للتفاؤل!
ثم إنها أكدت مزاعمها العضلية تلك بهزيمتي على الطاولة في مباراة ثني الذراع أمام الزبونة الفيتنامية تران التي رجعت كعادتها لتسألني نفس سؤال الأمس عن الكالسيوم وكنا قد اتفقنا أنه لا ينبغي للفيتناميين ان يصابوا بهشاشة العظام، على الأقل، لصلابتهم أمام الفرنسيين والأمريكان.
لكن اهتمام سيمون المتأخر، وهو متأخر بلا شك، بالقوة العضلية ربما كان سببه الفناء الماحق للغريزة الذي أحدثه طول المكث في الحياة. قلت لها مازحاً ذلك اليوم، معك حق. فبعد ثمانين عاماً من الحياة كامرأة لابأس أن تجربي أن تكوني رجل. فنلت بذلك ضربة من قبضتها لا زلت عاجزاً عن توصيف آثارها. وأنا اصلاً ما كان يخصني ما يفعله الخواجات في صراعهم العبثي مع الموت لكونهم غافلين، غفلةً تتناسل منها المسرات، عن أن طول الحرب هو أحد مطالب الطرف الثاني الأصيلة.
دخلت سيمون الصيدلية ذلك اليوم ساخطة لانقطاع السي يستا siesta. كيف يجرؤ أحد على قطع نومتها الوجيزة المطرزة بومضات الهرمون النباتي الذي أصرفه لها مشفوعا بتمنياتي المهنية الخالصة؟ وأخذت تلعن بحرف الفاء الانجليزي مبذولاً لكل الحضور. وخصت بالذكر طيبه للحاسوب وربيبه الانترنت وكل تجليات الثورة العلمية التكنولوجية مثل، وهذه من عندي أنا، القنوات الفرنكفونية التي لا تنتظر الصغار حتى يناموا.  فلقد أرسلها زوجها العجوز مثلها لاحضار ذلك الدواء اللعين (الذي يستخدمه في الانترنت).
توجست خيفةً صيدلانيةً من أن يكون هناك دواء طلع للناس لهذا الاستخدام دون أن يكلف أحدهم نفسه عناء اخطاري به. الدواء الوحيد الذي عبر ذاكرتي على أي حال هو للاستخدام فيها أو معها هي سيمون شخصياً وليس في الانترنت.
وانتبهت للحضور.
كان اثنان من الافغان ينتظران وصفة تعد لهما فبدا أنهما يعتذران لي لانشغالهما بسذاجة مجيدة أحضراها معهما لا تسمح لهما بالنظر في أي أمر آخر. بينما تصنعت تلك الكويتية، البدون، المحجبة بعناية عابرة للبحار، قدراً من الامتعاض لانشكاح الخالة سيمون الفاضح.
حاولت أن أتذكر شكل زوج سيمون. فمساعدتي السلفادورية قوية التنسيب كقريبها الكاتب ماركيز متغيبة اليوم بفعل دورتها الشهرية الكاريبية. فهي التي تقول لي ألم تعرف هذا؟ انه زوج فلانة.  ألم تذكر هذا الرجل انه الذي أحضر علبة دواء الايدز ملوثة بدمائه ذلك اليوم، وناس الايدز يفعلون هذا حتى يتأكدوا أن مرضهم قد دخل عميقاً في دائرة الحكاوي الشعبية المخيفة.
تطلعت في بروفايله فلم تكن لدينا صورة له فهو من الذين رفضوا أن نضع صورهم على البروفايل لكي أعرف أنا فيما بعد أنه أصلاً موّسوّس في مسألة الصور. وكانت الفلاحة التي انتقلت للعمل معنا في الصيدلية قد قالت كلاماً طيباً لسيمون بالفرنسية من نوع دعيه يا شيخة معتقدة أن السيد زوج سيمون ربما كان يقوم بآخر أبحاثه المجدية في الحياة. لكنها صرخت عندما قرأت اسم الدواء على الفورم الذي طلبت منها تحضيره،
- أوه ماي قاد! السيد فنسنت يستخدم الفياغرا!
فهتفت سيمون التي ظننا أنها لم تسمع:
- وفي الانترنت يا عزيزتي!
وقبل أن أفكر في اشهار بيان خصوصية وسرية المعلومات في وجه الفلاحة، ضحكتُ، ضحكنا.
وضحك الأفغان!
-----------------
نُشرت بموقع سودان للجميع نوفمبر 2005

Sunday, 5 June 2016

! يا عم




طق، طق، طق.
شدّو فتح عيونو بصعوبة. نعسان استعدل في قعدته. بردان والسما برة العربية ماخدة اللون البنفسجي، الأحمر داك بين المغربية والليل.
طق، طق، طق.
في زول قال يا سيد وشدّو إتلفت، الزول دا واقف جنب العربية، ما أكتر من هيئة غبشاء على خلفية الليل الداخل. شدو مد يدو ونزّل قزاز النافذة حبة بوصات. تثاءب وقال، هاي.
- إنت كويس يا زول؟ ولا عيان؟ كنت بتشرب؟
الصوت كان عالي، صوت مَرة أو صبي.
- أنا بخير، دقيقة.
فتح باب العربية ومرق منها بيمط في عضلات يدينو وكرعينو الواجعاهو. بعدها فرك يدينو في بعض عشان يحرك الدم فيها وتدفأ.
قالت، واو، أنت زول ضخم.
- بيقولو علي كدا، إنتا منو؟
- أنا سام
- سام الولد ولا البت؟
- أنا بت. كان اسمي سامي وكنت بخت وجه باسم بين سام وحرف الياء، كدا يعني، سام
🙂
ي، لكن بعد شوية لقيت تقريباً كل زول بيعمل كدا، فوقفتها.
- طيب يا بت الناس، كدي أمشي أقيفي هناك وخلي بالك للشارع.
- ليه؟ إنت قاتل مجنون ولا حاجة؟
- لا. عايز أبول، عايز شوية خصوصية.
- لا، صاح. فهمتك. نو بروبلم. معاك في دي. أنا ما بقدر أعمل كدا لو في زول في الحمام ال جنبي. عندي مشكلة كبيرة بتاعت متلازمة المثانة الخجولة.
- طيب خلاص من فضلك.
البت مشت لجنبة العربية البعيدة وشدو مشى خطوتين ووقف جنب سياج مزرعة كدا وقام حل سوستة بنطلونه وبال على عمود خشبي متكول. بعدها مشى راجع للعربية. الواطة بقت ليل.
- إنتي لسع واقفة؟
- طبعاً. إنت عندك مثانة بحجم بحيرة تانا. ياخي ممالك سادت ثم بادت في الوقت الكنت بتبول فيهو. سامعاك الوقت دا كلو.
- شكراً، إنتي عايزة حاجة؟
- كنت داير أشوف انت كويس ولا مالك. يعني لو كنت ميت ولا حاجة كنت ح أتصل بالشرطة. لكن قزاز العربية كان عليه ضباب شديد فقلت إحتمال الزول دا يكون حي.
- إنتي بيتكم في الحتات دي؟
- لا. أنا بركب يا عم ماشه ماديسون.
- دي حاجة خطرة.
- لي تلاتة سنين بسوي كدا خمسة مرات في السنة وتراني عايشة. إنت ماشي على وين؟
- أنا ماشي لحدة كايرو.
- طيب شكراً. أنا ماشه ألباسو إجازة عند عمتي.
- ما بقدر أوديك لغاية هناك.
- ما ألباسو حقت تكساس، ألباسو التانية في إلينوي. كم ساعة كدا جنوباً. إنت عارف إنت وين؟
- لا. ما عندي فكرة. في مكان ما في هاي واي اتنين وخمسين.
- المدينة القدام في الطريق هي بيرو، ما ديك بتاعت أمريكا اللاتينية. ممكن أشم ريحتك. دنقر لي شوية.
قام شدو دنقر للبت عشان تشم وشو.
- أوكي. ما في ريحة شراب فيك. ممكن تسوق. أرح.
- الخلاك تتأكدي إني ح آخدك معاي شنو؟
- إني آنسة في وعسة. وإنت فارس في...، المهم. عربيتك وسخانة لكن. في واحد كاتب ليك في القزازالورا أديني غسلة.
ركب شدو العربية وفتح الباب اللي على يساره وطلع إنو العربية ما فيها نظام إنو النور يولع لما تفتح الباب. قام رد على قصة إنو في زول كتب في القزاز:
- لا مافي زول عمل كدا.
قامت البت ركبت وقالت ليهو:
- هو شنو؟ دا ما أنا ذاتي. أنا ال كتبت لما كان لسع في ضو.
دوّر شدو العربية وفتح الأنوار، واتجه على جهة الطريق السريع. قامت سام قالت ليهو من باب المساعدة:
- لف شمال.
لف شدو شمال وساق. بعد كذا دقيقة سخّان العربية اشتغل وعم العربية دفء جميل.
سام قالت:
- ياخي ما تقول حاجة.
- هل نحنا بشر؟ مخلصين للخير، أولاد مرا وراجل؟
- أكيد.
- أوكي. بس بتأكد. عايزاني أقول شنو؟
- حاجة تطمنّي في اللحظة دي. فجأة كدا داهمني إحساس (أوه شيت أنا في العربية الغلط مع زول مجنون).
- آي، الإحساس دا جاني قبل كدا، شنو ال بيطمنك؟
- بس قول هل إنت سجين هارب ولا قتال قتلة سفاح.
فكر شدو قليلاً وقال:
- تعرفي، أنا حقيقة ما النوع دا.
- لكن شكلك أديتا فكيرة كدا؟ موش؟
- حاكموني وقضيت المدة لكن ما كتلت زول.
- يا الله!
دخلوا مدينة صغيرة مضاءة بمصابيح في الشوارع، وفيها لمبات الكريسماس تفتح وتغمض وشدو أخد نظرة على يمينه. البت كان شعرها أسود، قصير، متشابك ووشها كان جذاب، وفي نفس الوقت، قرر شدو، إنو فيهو شيئ من الرجولة وملامحها ربما اتنحتت من ضخرة. وكانت هي بتعاين ليهو.
- كنت في السجن مالك؟
- عوّقت لي نفرين شديد، زعلوني.
- وكانو بيستحقو كدا؟
شدو فكر وبعدها قال: دا كان رأيي وقتها.
- بتعمل كدا تاني؟
- يا زولة لا. أنا فقدت تلاتة سنين في السجن.
- أممم، إنت فيك دم هنود حمر؟
- ما بعرف.
- شكلك كدا بس.
- آسف. خذلتك.
- ما في مشكلة. إنت ما جيعان؟
- ممكن آكل.
- بعد إشارتين كدا في محل كويس. أكل كويس ورخيص.
ركن شدو عربيته في موقف السيارات. نزلوا من العربية وما إهتم يأمن أبوابها لكنه وضع المفتاح في جيبه. مرق شوية فكة من جيبه عشان يشتري جريدة. قام سأل سام:
- بتقدري على تكلفة محل زي دا؟
- نعم،
ورفعت حنكها وقالت:
- بدفع لي روحي.
قام شدو هز راسه وقال ليها: أقول ليك حاجة؟ ما نعملا طرة وكتابة. لو وقعت ليك طرة تدفعي لينا الإتنين لو وقعت ليك كتابة عشاك عليّ.
قالت ليهو بطريقة كأنها شكت فيه:
- بس لكن أشوف العُملة في الأول، النحاسة. أنا عمي كان عنده ريال الجهتين فيهو كتابة.
عاينت القطعة المعدنية وتأكدت إنها سليمة. قام شدو وضع القطعة وجنبة الصورة فيها هي المرئية على ظاهر على إبهامه، وغش في الرمية فقامت القطعة إتأرجحت كأنها لفت، وقام قبضها وقلبها على باطن يدو الشمال وكشفها بيده اليمين قدام سام. فقالت سام بسعادة:
- كتابة، العشا عليك.
- صاح، ما ممكن الواحد يفوز في كل المرات.
طلب شدو رغيف محشو باللحم، وطلبت سام لازانيا.
قلّب شدو الجريدة عشان يشوف هل فيها أي خبر عن نفرين ماتوا في قطر بضاعة. ما لقى خبر، القصة الوحيدة الملفتة كانت موضوع الغلاف في الجريدة المحلية، إنو البلد موبوءة بغربان بأعداد قياسية. وإنو المزارعين عايزين يعلقوا الغربان الميتة في المباني العامة عشان يخوّفوا الغربان الحية. وعلماء الطيور قالوا ليهم دا ما ح ينفع لأنو الغربان الحية ببساطة ح تقوم تأكل الغربان الماتت. لكن الأهالي مصرين إنو لما يشوفو جثث أصحابهم، بحسب رأي ناطق عنهم، الغربان ح تعرف إننا ما عايزنهم هنا.
جابوا الأكل في صحون مليانة وبوخها يلوي، أكل كتير.
سام وهي خشمها مليان أكل قالت:
- أها كايرو فيها شنو؟
- ما عندي فكرة. جاتني رسالة من المدير قال لي عايزنك هناك.
- إنت شغلك شنو؟
- مراسلة
إبتسمت.
- غايتو إنتو ما مافيا، ما شكلكم كدا، شوف العربية الخرا الإنت سايقها دي. ليه عربيتك فيها ريحة موز؟
هز كتفه وواصل أكل. سام قامت ضيقت عيونها وقالت:
- تكون مهرب موز. ما سألتني انا بشتغل شنو لي هسع.
- خمنت إنك لسع في المدرسة.
- جامعة وسكونسن، ماديسون.
- حيث، بلا شك، تدرسين الفن والتاريخ والدراسات النسوية وإحتمال تكوني بتصبي بيدينك جوائز برونزية، أو تكوني شغالة في قهوة عشان تغطي الإيجار.
سام رمت الشوكة ونفخت نخرينها وسألته:
- في نيكة شنو بتعمل فيني كدا؟
- شنو مالك؟ عارفك ح تقولي إنك بتدرسي الادب واللغات وعلم الطيور.
- يعني عايز تقول إنو داك كان تخمين محظوظ أو حاجة.
- شنو هو؟
عاينت ليهو بعيون داكنة وقالت:
- إنت زول غريب يا سيد...، إسمك ذاتو ما عارفهاهو.
- بيقولو لي شدَو
عوجت خشمها بإمتعاض، زي ضاقت ليها حاجة ما بتحبها. سكتت وحنت راسها وخلصت اللازانيا.
- عارفة ليه سموها مصر؟
- على جهات كايرو؟ نعم. لأنها واقعة في دلتا نهر أوهايو ونهر المسيسبي، زي كايرو ال في مصر، في دلتا نهر النيل.
- كلام عقل.
استرخت في جلستها وطلبت قهوة وفطيرة بكريم الشوكولاتة. وإتخللت شعرها الأسود بيدها.
- إنت متزوج يا سيد شدو؟
بعدها وهو متردد قالت:
- أمك، دا سؤال تاني محرج، موش؟
- دفنوها يوم الخمس الفات دا
اختار كلماته بعناية: ماتت في حادث سيارة.
- يا الله، يا يسوع، أنا آسفة.
- أنا ذاتي.
مرة لحظة مشاترة كدا
- أختي بت أمي برضو فقدت ولدها، اللي هو أنا خالتو، نهاية السنة الفاتت. حاجة صعبة.
- نعم، مات بي شنو؟
شفطت شوية من قهوتها
- ما عارفين. ما عارفين إنو مات ذاتو. أختفى. لكن كان عمره تلتاشر سنة  بس. عز الشتا الفات. الحاجة دي دمرت أختي جد.
- ما في أي، أي أدلة؟
شدّو بقى شكلو زي شرطي في مسلسل تلفزيوني. قام حاول تاني:
- هل شكوا في أي لعبة قذرة؟
ودي كانت العبارة الأسوأ.
- هم شكوا في نسيبي اللي هو أبوهو. كان قنيط بما يكفي إنو يسرق ولده. إحتمال يكون عملها. لكن دا حصل في مدينة صغيرة في الغابات الشمالية. مدينة جميلة وحتيتونة كدا، ناسها ما كانوا بيتربسوا أبواب بيوتهم.
شالت سام نفَسها وهزت رأسها. مسكت كباية القهوة بيدينها الإتنين.
- إنت متأكد إنك ما فيك شي من الهنود الحمر؟
- ما حاجة بعرفها كدا يعني. يمكن. ما عرفتا كتير عن أبوي. وأظن أمي كانت ح تكلمني عنو لو كان هو من الأمريكان الأصلانيين. إحتمال.
وعوجت خشمها تاني، وزهجت من باقي الفطيرة. الفطيرة كانت بحجم نص رأسها. دفرت الصحن ناحية شدو.
- عايز؟
ابتسم وقال ليها أكيد. قام خلص على باقي الفطيرة.
الجرسونة مدت ليهم الشيك وشدّو دفع.
- شكرا، قالت سام.
الجو إبتدأ يبرد شديد. العربية كحت مرتين قبل ما تشتغل. ساق شدو راجع للطريق السريع.
- حصل قريتي لي زول إسمو هيرودوتس؟
- يا ساتر. ليه؟
- هيرودوتس. حصل قريتي كتابو تواريخ؟
- لا كدي تعال،
قالت بطريقة حالمة
- أنا ما قادرة أفهمك. ما بفهم طريقة كلامك. في لحظة كدا شكلك زول جهامة وغبي، ال بعديها إنك بتقرأ مخي المنيوك دا، والبعديها أنحنا بنتحدث عن هيرودوتس. ف شنو؟ لا ما قريت ليهو. سمعت بيهو جايز في الراديو القومي، موش ياهو ال بيقولو عليهو أبو الكضب.
- أفتكر داك الشيطان.
- آآي داك ذاتو كمان. لكن سمعت إنو قال إنو هناك نمل عملاق ووحوش بتحرس مناجم دهب، وقالوا كلامو كله طلع تلفيق.
- لا ما أظن. هو كتب الحاجات اللي قالوا ليهو أكتبها. يعني زي هو كتب التواريخ بس. بعدين هي تواريخ جيدة جداً وفيها شحنات من التفاصيل الغريبة، يعني مثلاً هل تعلمي زمان في مصر لو ماتت  بت جميلة أو زوجة زول مهم، ما كانوا بيرسلوها للتحنيط إلاّ بعد تلاتة أيام. بيخلوا الجثة تبوظ في الحر.
- ليه؟.....دقيقة، دقيقة، أنا عارفة ليه. حاجة مقرفة.
- وفي التوريخ دي معارك، وكل الحاجات العادية. وبعدين في الآلهة. واحد يجي جاري عشان يكلم الناس بأخبار المعركة، يجري ويجري يقوم يشوف الله في فسحة والله يقول  ليهو قول ليهم يبنوا لي معبد هنا، يقوم يقول ليهو سمح ويجري ويجري وبعد ما يقول ليهم أخبار المعركة شنو يقول ليهم بالمناسبة الله عايزكم تبنوا ليهو معبد، حاجات أمر واقع كدا.
- طيب في قصص فيها آلهة، إنت بتحاول تقول شنو؟ إنو الناس ديل كانو بيهلوسو؟
- لا، ما كدا.
قعدت تأكل في أضافرينا وبعد داك قالت:
- أنا قريت شوية كتب كدا عن الدماغ. زميلتي في الغرفة كانت عندها الكتب دي وحايمة بيها في الغرفة. يعني زي قبل خمسة ألف سنة الفصين ال في الدماغ ديل قاموا إتلحموا مع بعض. قبل دا كان الناس فاكرين إنو لما الفص اليمين يقول حاجة معناها دا صوت إله بيوريهم يعملوا شنو. قصة عقلية يعني.
- أنا بفضل نظريتي أنا.
- شنو نظريتك؟
- إنو الناس زمان كان مرة مرة بتصادفهم آلهة في الطريق.
- أيوااااا!
ونزل عليهم صمت، صوت العربية بس هو المسموع، المكنة بتنوني، والعادم بيعوعي وصوتو ما صوت صحة ، وبعدها:
- تفتكر هم لسع هناك؟
- هناك وين؟
- اليونان، مصر، الجزر، الحتات ديك. تفتكر لو حمت في الحتات ديك ح تشوف آلهة.
- جايز. لكن ما أظن الناس ح يكونوا واعين إنو دا هو الشافوهو.
- أراهنك؟ ح يكون شكلهم زي جايين من الفضاء كدا. على أيامنا الناس بتشوف أغراب من الفضاء وزمان كانوا بيشوفو آلهة. إحتمال الفضائيين جايين من الفص اليمين للدماغ.
- ما أعتقد إنو الآلهة عملت مجسات شرجية، أو قتلت مواشي بيدها، بتكون سخرت ناس عشان يعملوا كدا.
قرقرت.
مشوا مسافة في صمت، بعدها سام قالت: إنت عارف دا بيذكرني بقصة الإله المفضلة عندي، من الأديان المقارنة واحد قصاد واحد، عايز تسمعها؟
- أكيد.
- طيب دي واحدة عن أودين. إله النرويج والحتات ديك، عارف؟ كان في ملك من الفايكنج على سفينة من الفايكنج، وواضح إنو دا كان في زمن الفايكنج، حصل ليهم إنو سفينتهم وقفت لعدم وجود رياح، أصابتهم حالة سكون في البحر. قام الملك قال طيب كويس أنا ح أضحي بواحد من رجالي لأودين لو رسل لينا رياح توصلنا لي أهلنا. أها جات الرياح ووصلوا للبر. الزول الوحيد الإتفقوا إنو يضحوا بيهو هو الملك ذاتو. القصة دي ما عجبتوا، زعل، قاموا قالوا ليهو إنها ح تكون مسألة شكلية وما ح تتأذي. فجابوا مصران حمل ولفوهو حوالين رقبتو وربطوا الطرف التاني في فرع لين وقاموا شالوا قصبة بدل حربة وقعدوا يشكوهو بيها ويقولوا ليهو أها خلاص شنقناك، ضحينا بيك لأودين.
الطريق بقى فيهو إنحناءة، وظهرت مدينة تانية، سكانها تلتمية نسمة، موطن الفائز بالموقع التاني في بطولة الولاية للتزلج السريع لما دون الإتناشر سنة. بها صالونين لتحضير الجنائز من نوع الحجم الإقتصادي الضخم. إتنين كل واحد في جنبة من الطريق. شدّو فكّر، مدينة سكانها تلتمية زول عايزة كم صالون تحضير جنائز.
- أها أول ما جابو أسم أودين دا في لسانهم إتحوّلت القصبة لحربة وطعنت الراجل في صفحته ومصران الحمل بقى حبل تيل، الفرع اللين بقى فرع رئيسي والشجرة بقت تسحب لي فوق والأرض تميد وبقى الملك معلق هنااااك بيموت ودموا نازف من صفحته ووشو أسود. الناس البيض ديل عندهم شوية آلهة متناكة بجد، يا سيد شدّو.
- صاح. إنتي موش بيضاء؟
- أنا شيروكي.
- دمك كلو؟
- لا. لترين بس. أمي بيضاء. أبوي كان هندي من النوع الحقيقي بتاع المحميات داك. جا ماري بي هنا، وآخر مطافه إنو إتزوج أمي وجابني. لما أختلفوا رجع أوكلاهوما.
- رجع المحمية؟
- لا. استلف قروش وفتح تاكو بال، عايز ينافس تاكو بيل. ماشي كويس. ما بريدني، بقول علي هجين.
- حاجة مؤسفة.
- فاكا منو. أنا فخورة بي دمي الهندي دا. بيساعدني في قروش المدرسة، إحتمال ذاتو بسببو ألقى لي وظيفة يوم، لو ما قدرت أبيع البرونزيات بتاعتي.
- في حل زي دا دايماً.
وقف شدّو في ألباسو، إلينوي، أتنين ألف وخمسمية نسمة، عشان سام تنزل قدام بيت في حتة منحدرة من طرف المدينة. كان قدام باحة المنزل الأمامية تمثال كبير، قايم على إطار سلكي، لحيوان الرندير أو الأيل، مكلل بأنوار متلألئة.
- عايز تخش معاي؟ عمتي ح تعمل ليك قهوة.
- لا. لازم أواصل.
إبتسمت ليهو وبدت فجأة ولأول مرة قابلة للإيذاء. مدت يدها وضربته على يده وقالت:
- إنت شكلك أمورك جايطة يا سيد، لكنك ظريف..
- أفتكر دا ما يسمونه الحالة الإنسانية. شكراً لرفقتك.
- نو بروبلم. لو لاقتك أي آلهة في طريقك لكايرو، ضروري تقول ليها هاي مني.
نزلت من العربية ومشت لباب البيت. ضغطت على الجرس وانتظرت فترة بدون تعاين وراها. إنتظر شدّو لغاية ما الباب اتفتح وشافها دخلت سالمة، بعد داك وضع قدمه لتحت وإتجه نحو الطريق السريع.
انتهت
-------------------

لمحة من حكاوي أمريكية باللغة السودانية.