Posts

حكاية البنت التي طارت

كنا قاعدين في شرفة منزل صديق جديد في مدينة صغيرة نزورها لأول مرة. الشرفة أرضيةٌ بها أصائص ورد ويفصلها عن الطريق العام سياجٌ معدني تنبثق منه تماثيل صغيرة لملائكة.  وكنت على وشك أن أقول شيئاً عن جمال تلك الجلسة المسائية في المدينة النابضة لكنني انشغلت عن ذلك. كانت فتاة بملابس سباحة ضيقة قد ظهرت في بلكونة بالطابق الثالث للعمارة المواجهة لمجلسنا.  تعثرت الفتاة قليلاً قبل أن تنتصب على كرسي أو منضدة صغيرة، ثم فجأة طارت من مكانها مبتعدة عن البلكونة. لوهلة بدت كأنها فشلت وستقع لكنها شدت جسدها وحركت يديها وقدميها فاندفعت إلى الأمام وانسابت أفقياً في محازاة بلكونات الطابق الثاني تحتها ثم حطت برشاقة على الارض وجرت فدخلت المبنى لتظهر مرة أخرى على نفس البلكونة. وهذه المرة كان معها رجل يلبس قناعاً أخذ يقبل جبينها. طبعاً لفتُ نظر الناس الذين كانوا معي منذ أول لحظة، وشاهدوها عندما حطت على الطريق، وصرخوا من هول الأمر وقال أحدهم، كيف تطير بلا أجنحة وكان رد زوجته جاهزاً، خداع بصري.  وقال آخر، لا وقت عندنا لمعرفة ما إذا كانت هناك خيوط فتدخلت صديقته وقالت إن أشياء غريبة كثيرة تحدث ...

افتقاد الغياب

Image
فكرة افتقاد الغياب، من جراء الإتصالاتيه الفاجرة، فكرة أشرقت عليّ وأنا أقود سيارتي صوب مجهول تستسهله الخرائط وانبثاقات الطرق بقدر ما هي تقصيه. الصورة أعلاه أخذتها في اللحظة التي بدا فيها الغياب مهولاً، لا تحتويه فكرة إفتقاده. كما لو أنها المرة الاولى التي يبدو فيها العالم كبيراً، كبيراً، مثل ما هو دائماً حين نكف عن سذاجة نظرتنا إليها من خلال عدسة. أليس بائساً أن نقتنع بفكرة رؤية العالم من خلال عدسة. ولماذا عدسة وليست دليبة أو بُرمة؟ لماذا ينطوي تآنسنا مع الوجود علي خُفية وتلبد؟ لماذا نتلصص من خرم في باب الحياة، لهذا الكثير المنبهل أمامنا؟ الفكرة أن تفتقد الغياب وتشتاق لفصم عروة، disconnect في لحظةٍ ما وتستثمر ذلك في إعادة ترتيب قوامك الرقمي من فوضى المعرفة التي تعتريه. أن يلقي بك الطريق قرب هوة صديقة أو ينبجس غديرٌعن طائر بين فكيه سمكة، ثم لا يلبث يصعّد، يتصعد، إن شئت، كأنه يعلم أن بسيارتك كوةً عليا مفتوحة على السماء، وأنه قد راقه أن يدلي إليك العشاء بسمكة، ولات حين ديجيتا! أنت أمام عالم لا يعتد برقمية خلعوها عليه. فبما إلفة قديمة مع السماء ذللت صعاب التك...

ونذكر سين

ونذكر سين سردٌ أقصى حريٌ بذاكرة قصوى ********** أطلت مكوثي بها بعدك ردحاً وكنت ظننت أني، قبلك، ذاهبُ. وأنت الآنَ هناك، هناك، تلحُ عليّ بأسئلة النار. ألا تكف عنها يا غريبْ؟ حتى وأنت بين يدي مليك قهارْ؟ ألا إنك في مأمنٍ من سهامي أكيد. ليس كما كنت، سابقأ، تنال عقابك مني سريعاً على أخطاء تسميها صغيرةْ، ونذهب بعدها، أنا وأنت، نحو حلوى طحنية، نحو فولٍ على البازار. أم نحو هُزال الغزَلْ وغزَل الهزلان؟ تقول لي، بناتُ "الأحفاد" يخفن انتظارك وكذا بنات "كلية المعلمات". حسنٌ، حَسن. ولكني أخاف حَسن(1) وليمونه القشعري أكثر من خوفي على ما بدا لي كشيئٍ بلا كيسيّ صَفن! وكنتَ تقول لي: عيبٌ، فهذا شعارٌ مجلسنا البلدي. كنت أقول لك بل هو ما نصب الاغرابُ فوقنا حين أزف رحيلهم لنذكرهم بغيظْ، وتضحك. كان يسرك أن أقدح في بريطانيا العظمى وكنتَ تشكر أنت روسيا بلشفية. كنا نخاف كذلك خ، ويصعب وضعها بين قوسين، فالشداد شدادٌ حتى على اللغة. ودعنا الآن منها فهي قصوى، حريٌ بها السرد الأقصى. كذلك كنا نخاف ونهوى تلك البنت سلوى. أتذكرها؟ كانت تمر كمر الغمام على ...

جليد نسّاي - 2/3

3/2- جليد نسّاي قراءة في رواية الرجل الخراب عبد العزيز بركة ساكن الجزء الثاني () هنالك شبهة استلهام، إن كان ذلك ممكناً أصلاً، في مستهل القصيدة، أو الابيجراف، نجدها في أحبولة حكائية صاغها المؤلف حول فكرة وردت في ذلك الإبيجراف، تحكي عن مصير سِيبل Sibyl التي تمنت طول العمر، ونسيت أن تتمنى معه دوام الشباب، فإنتهى بها الأمر إلى وهنٍ تاقت منه لموتها. إنها هنا، في شخص لوديا شولتز، التي قفز عمرها من 71 عاماً "بصورة ميتافيزيقية إلى 103 عاماً"، أو هي أشبه ما تكون بذلك، أعياها طول المكث في الدنيا وصار حالها أشبه بحال لبيد بن ربيعة العامري حين قال: ولقد سئمتُ من الحياة وطولِها  وسؤالِ هذا الناسِ كيف لبيد. ويتضح لنا أن مضاهاة حساب السن العمرية لا معنى له لأن المقصود هو تبيان قبول لوديا بالموت، رغم خوفها منه، كتحرير لروحها من إسار النفس. () في فصل سيرة المرأة من الرواية نذكر تايريسياس في قسم لعبة شطرنج من قصيدة إليوت، تايريسياس الذي هو كل النساء وكل الرجال ويرى كل مضامين القصيدة لأنه بحسب الأسطورة كان رجلاً ثم تم تحويله لإمرأة، بواسطة الآلهة غالباً، ثم قفل عائدا...

وضحك الأفغان

======== الأسماء في هذه القصة مستعارة احتفلت السيدة سيمون لتوها بعيد ميلادها الثمانين ومهرته بأعلانها عن امتلاكها لقوة عضلية غير مسبوقة. قالت إنهاأقوى من أي رجل بما فيهم (الدرقيست) ذاته، كما كان يحلو لها ان تناديني. وقالت إنها نزعة جديدة. بل أضافت أنها لم تكف عن مكابدة النزعات. قلت لنفسي، نزعات في الثمانين؟ يا له من أمر يدعو للتفاؤل! ثم إنها أكدت مزاعمها العضلية تلك بهزيمتي على الطاولة في مباراة ثني الذراع أمام الزبونة الفيتنامية تران التي رجعت كعادتها لتسألني نفس سؤال الأمس عن الكالسيوم وكنا قد اتفقنا أنه لا ينبغي للفيتناميين ان يصابوا بهشاشة العظام، على الأقل، لصلابتهم أمام الفرنسيين والأمريكان. لكن اهتمام سيمون المتأخر، وهو متأخر بلا شك، بالقوة العضلية ربما كان سببه الفناء الماحق للغريزة الذي أحدثه طول المكث في الحياة. قلت لها مازحاً ذلك اليوم، معك حق. فبعد ثمانين عاماً من الحياة كامرأة لابأس أن تجربي أن تكوني رجل. فنلت بذلك ضربة من قبضتها لا زلت عاجزاً عن توصيف آثارها. وأنا اصلاً ما كان يخصني ما يفعله الخواجات في صراعهم العبثي مع الموت لكونهم غافلين، غفلةً تتناسل منها ...

في شان شوق الدرويش

الطريق إلى الحقيقة يمر بأرض الوساوس (1) هذه بعض أفكار حول الاستراتيجية التأويلية التي استخدمها في مقاربة رواية (شوق الدرويش) للروائي السوداني حمور زيادة. وغني عن القول أن هناك استراتيجيات لا حصر لها. ومن المعلوم أن القراء يختلفون في كيفية تلقيهم للنص الواحد. وأن النص نفسه، أي نص، يضع قيوده أمام التأويلات المحتملة له. فما هي  القراءة التي يأذن بها نص حمور زيادة؟ وماذا فعل زيادة في نصه مما يقلل أويزيد من فرص التأويلات؟ وبإسلوبي أنا كيف كتب حمور زيادة قصته؟ وماهي (الماكينة) التي امتطاها؟ إنها نفس ماكينة الرد على الامبريالية والاستعمار التي تعلي من شأن الانسان المستعمَر ولكن بمردود أقل كثيراً من أمثالها من روايات سبقت. استخدم زيادة في روايته تكنيك الراوي العليم المطعّم بآلية الاسترجاع flashback. ولذلك فإن صوت الراوي، الذي لا وجود له كشخصية في الرواية، يبدو قوباً وذاتياً. إذ  يلاحظ  القارئ أن كثيراً من الأفكار تأتي كما لو أنها صدرت عن ذهن الراوي. وهذا عيب من عيوب التكنيك نفسه وليس من المؤلف. من عيوب تكنيك الراوي العليم أيضاً أن المؤلف هو (إله) النص ومخ...